الرئيسية > آراء > هل أنسي الحاج موجود
26/10/2017 07:19 آراء

هل أنسي الحاج موجود

هل أنسي الحاج موجود

حميد زيد ////

لم يقل أنسي الحاج كلمة لنستشهد به. كان ملغزا ليبعدنا عن البكاء. كان غارقا لوحده كي لا نقتسم معه السر.
لذلك لا تستشهدوا به. لا تذرفوا دمعة. لا أحد فينا يعرف أنسي الحاج. لا تقطعوا شعره. لا تذبحوا قصائده. لقد سرطن اللغة وذبحها وأخفى المعنى. كي لا نفعل به ما نحن فاعلون اليوم.
خذوا أي شاعر. خذوا الماغوط. خذوا محمود درويش. لكن لن. لم يكن أنسي يكتب يوما في جريدة الأخبار. لم يكن جملة نتأوه حولها. كان غرقا ومن يقترب منه يحترق.
لا تستغلوا موته. لم يكن أنسي الحاج منا. كان بعيدا وغريبا. كان مسيحيا وكافرا وصوفيا وسرياليا ويمينيا ويساريا. كان نبيا وشيطانا. ولم يكن يوما عبارة حلوة. لم يكن موقفا لنستشهد به.
لا تستغلوا فرصة رحيله لتفسدوه. كما أفسدتم كل شيء نادر. هذا الذي تكتبون عنه ليس. أنسي الحاج ليس هو أنسي الحاج. ولم يكن يوما ما موجودا.
لا أحد يقربنا من الله مثل أنسي الحاج. ولا أحد يبعدنا عنه مثل أنسي الحاج. لا تستشهدوا به رجاء. لم ينزل الله ولم يصعد إلا حين تحدث إليه أنسي الحاج. لا تقولوا عنه شيئا. لم يكن في نيته يوما أن يحكي لنا. لا تبحثوا عنه في كتبه. إنه غير موجود. لا تعرفوه. فالمعرفة جهل بأنسي الحاج.
لن قال لنا. وها نحن نستغل موته. ونبكي ونبحث عن الجمل والعبارات والقصائد. هذا الذي مدح اللعنة والمجانية. نؤذيه اليوم بطيبتنا. وندخله عنوة إلى الإطار. كأي شاعر آخر نتذكر شعره. لم يكن أبدا فكرة جاهزة. سحقا للشعراء. قال أنسي. لولاهم لما كتبت الشعر.
لم يهزم أحد اللغة العربية كما هزمها أنسي الحاج. لم يبعثرها أحد كما فعل. ولم تهزم العربية أحدا كما فعلت مع أنسي الحاج. القوي والخارج عن الطاعة وقد استسلم. الوحش وقد دخل القفص. لا تستشهدوا به رجاء. ساعدوا لن. ليكن واحد منا يحن إلى الجزء الأول من كلمات كلمات كلمات. ولم يكن هذا الكتاب شعرا. لكنه كان أخطر ما كتب في الشعر والنثر العربيين. ولم يكن شاعر في المستقبل وجاء إلى الماضي كما فعل أنسي الحاج. لم تحدث معجزة كهذه في التاريخ. لذلك لا تحبوه. تملوا في السر فحسب. تملوا في طاقة الحقد والكره التي تولد الحب.
كان ناقصا. كان وحشا. كان رقيقا. كان ضد اللغة. كي لا نستشهد به اليوم. خذوا الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع. خذوا خواتم. خذوا أنسي الحاج في جريدة الأخبار. لكن لا تقتربوا من الهاوية. لا تقتربوا من شفيرها. لا تقربوا لن. هناك يكمن الخطر. لا تقربوا الرأس المقطوع. ولن يجيبكم في ماذا صنعت بالذهب. ماذا فعلت بالوردة. يقترب منا ولا يستسلم. يدعونا إلى الوليمة لنأكل. ويعود إلى سره الأول. إلى اللعنة والإيمان. وإلى الإيمان واللعنة.
عرفت متأخرا أن سر أنسي الحاج كان خلف فيرز. ونسيت كي لا أعرف. ولا أقوى على ذكر كلمة. ليست لدي فكرة. ولا أبكي. ولا أتذكر قصيدة ولا جملة ولا عبارة. لقد قطع الحبل لنسقط. لقد ابتعد كي لا نفكر في العودة. لقد قرأت وحصلت على الدوخة. لم أدخ يوما ولم أومن ولم أكفر ولم أرق ولم أستوحش وأكره وأحقد وأحب وأخطىء وأنتقم وأهرب كما هربت وأنا أخشى أنسي الحاج وأستلذ بأني فارغ ولا أحفظ جملة ولا شعرا وأنتقم وأتقدم ولا شيء يدهشني إلا ماضي أنسي الحاج. الذي من فرط الخوف منه لم أعد أقترب منه. منذ عشرين سنة لم أقترب منه. وتوقفت عن كل شيء. وهذا الذي في جريدة الأخبار ليس أنسي الحاج. أنسي الحاج ليس أنسي الحاج. أنا لا أعرفه. ليس هو. ونسيت. وأخاف. ولن أستشهد. ولن أكتب كلمة عن أنسي الحاج. لن. الذي مات ليس أنسي الحاج. وأشك أنه كان موجودا.

موضوعات أخرى