أنس العمري – كود///

ما بدأ كدعوة حماسية في خادم) الديسكورد، تحول اليوم إلى مشهد سريالي لأعضاء يضغطون على زر (Quitter le serveur) الواحد تلو الآخر.

آخر المغادرين، ومن أكثرهم تأثيرا، كان “فيلق الشرق” الذي أعلن، أول أمس، عن انسحابه، ليلحق بـ”كتيبة سوس” التي كانت أول من صفق باب الخادم، بشكل مدو قبل أيام.

لم يعد الأمر مجرد شرخ، بل هو انهيار كامل للهيكل. فما بدأ كهمس في كواليس منصة “ديسكورد” تحول إلى سلسلة من الزلازل التنظيمية التي تضرب ما يسمى بـ”حركة (GenZ212) في الصميم.

آخر هذه الهزات، وأشدها دلالة، جاء من جهة الشرق بتاريخ 18 أكتوبر 2025، حين أعلنت لجان وجدة، وبركان، والناظور، وجرادة، وبوعرفة، وفكيك، انسحابها الكلي، لتلحق بركب تيار سوس ماسة الذي كان قد أعلن “الطلاق البائن” قبلها بأيام قليلة، مؤكدا أن الحركة التي ولدت رقميا تموت الآن بسبب خطايا قادتها المجهولين.

بلاغ شباب الشرق لم يكن مجرد بيان، بل كان لائحة اتهام دقيقة، ومرآة عكست نفس الأسباب التي دفعت تيار سوس للتمرد.

أولا: “فقدان البوصلة والاستقلالية”، حيث تحدث بيان الشرق صراحة عن “تحالفات غير عقلانية مع فصائل متناقضة من قبيل الحركات اليسارية وبعض الحركات الإسلامية المحظورة”، وهو ما يزكي استنكار تيار سوس وجود “أجندة خبيثة” و”خونة” يسعون لخطف الحراك.

ثانيا: “القيادة الشبحية”، وهي النقطة الأكثر إثارة للقلق. رفض القادة المؤسسين الكشف عن هوياتهم الحقيقية، وهو ما وصفه بيان الشرق بـ”الخوف غير المبرر” الذي يضرب مصداقية الحركة في مقتل. هذا بالضبط ما كان يرفضه شباب سوس الذين سئموا تلقي “الإملاءات من وراء الحواسيب” من “أدمينات” مجهولي الهوية يديرون كل شيء من قبو “ديسكورد” المظلم.

ثالثا: “الانحراف عن المطالب الأساسية، إذ أكد بلاغ الشرق أن مطالب الصحة والتعليم تحولت إلى “مطالب ثانوية”، وهو ما يشكل “انقلابا صارخا” على المبادئ التأسيسية.
هذه هي نفس صرخة شباب سوس الذين انطلقوا من مطالب اجتماعية بحتة مرتبطة بالكرامة والخدمات الصحية في أكادير، ليجدوا أنفسهم بيادق في معركة لا تشبههم.

رابعا، “القطيعة مع نبض الشارع المغربي”، بحيث كانت الدعوات المتكررة لمقاطعة مباريات المنتخب الوطني وكأس إفريقيا بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة لشباب الشرق. لقد رأوا فيها “دعوة لمقاطعة الفرحة” و”الإضرار بالوطن ككل وليس بالحكومة” هو ما يوضح الهوة السحيقة بين الأجندة المفروضة من “القيادة الشبحية” وبين الحس الوطني للشباب على الأرض، الذين يعتبرون المنتخب رمزا للوحدة والانتماء لا أداة سياسية.

إن انسحاب تيار الشرق، الذي يمثل ثقلا ديمغرافيا وجغرافيا كبيرا، لم يكن إلا الصدى الحتمي للزلزال الذي أحدثه تيار سوس ماسة. فشباب سوس، الذين كانوا “قطب الرحى” والوقود الميداني للحركة، هم أول من كسر جدار الصمت وفضح لعبة “التيليكوموند”.
لقد شعروا بـ”الحكرة” والاستعلاء من قيادة افتراضية كانت تنظر إليهم كأدوات، وتتعامل مع هويتهم الأمازيغية بـ”دونية”، وتدير تضحياتهم على الأرض كأنها بيانات في خادم (سيرفر) بعيد.
لقد كانت منصة “ديسكورد” هي القلعة الرقمية لهذه “الديكتاتورية الشبحية”. لم يكن اختيارها عشوائيا؛ فهي توفر البيئة المثالية للإدارة من خلف الستار: إخفاء تام للهويات، هيكل هرمي صارم، وبيئة مغلقة معزولة تسهل غسل الأدمغة وتمرير التوجيهات دون مساءلة. وعندما تجرأ ممثل تنسيقية سوس على الاعتراض، كان مصيره “الحظر”، في إعدام سياسي رقمي كشف أن من يملك “السيرفر” يملك القرار.

النموذج الديسكوري.. فشل الإقناع

ويبدو أن هذا الانهيار المتسارع، لم يعد يمثل مجرد سقوط لتنظيم ولد معطوبا، بل هو بمثابة إعلان فشل ذريع لـ “النموذج المغربي الديسكوري” ذاته كأداة للتأثير والإقناع في الفضاء العام المغربي.
في جوهره، لم يكن هذا النموذج مصمما للإقناع، بل للسيطرة، إذ لم يبن جسورا مع المجتمع، بل حفر خنادق بين “الأعضاء المؤمنين” و”العالم الخارجي”. لذلك، لم يكن السقوط نتيجة اختراق خارجي، بل حتمية لبنية مغلقة اصطدمت بواقع مغربي أكثر تعقيدا وذكاء.
لقد أدرك شباب الشرق وسوس أن حماسهم النقي ومطالبهم المشروعة قد اختُطفت لخدمة أجندات غريبة. وبانسحابهم، لم يعلنوا فقط نهاية حركتهم المحلية، بل نهاية النموذج المركزي لـ”GenZ212″ القائم على الغموض والتوجيه الخارجي.
لقد أثبتوا أن الوطنية والانتماء أقوى من أي إملاءات رقمية، وأن أي حراك يفتقر للشفافية والمصداقية مصيره أن ينهار من الداخل.