كود الرباط//

قال الخبير الاقتصادي عبد اللطيف برحو إن الأزمة السياسية التي تعيشها فرنسا منذ أزيد من سنة ونصف، والتي تفجرت مجدداً باستقالة الوزير الأول بعد ساعات من تعيين حكومته، ليست سوى انعكاس مباشر للأزمة الاقتصادية والمالية العميقة التي تخنق البلاد، محذراً من أن فرنسا تسير نحو سيناريو مشابه لما عاشته اليونان والبرتغال بعد أزمة 2008.

وأوضح برحو، في مقال تحليلي توصلت به “كود”، أن الرفض الواسع من الأحزاب والنقابات للمشاركة في الحكومة أو دعمها يعود بالأساس إلى “غياب الثقة في قدرة أي حكومة على إنقاذ الاقتصاد الفرنسي”، معتبراً أن “أي طرف سياسي يقبل بتحمل المسؤولية في الظرف الراهن، يُقدم على انتحار سياسي محقق”.

وأضاف برحو أن التقارير الرسمية الصادرة عن مجلس الحسابات الفرنسي (Cour des comptes) تكشف عن “أرقام صادمة وغير مسبوقة”، إذ بلغ عجز الميزانية الفرنسية خلال سنة 2024 حوالي 175 مليار يورو، أي ما يعادل 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بعدما سجلت سنة 2023 عجزاً في حدود 5.5 في المائة.
وأشار إلى أن هذه النسب “تتجاوز السقف المسموح به أوروبياً والمحدد في 3 في المائة”، وأن باريس وجدت نفسها “في وضعية مخالفة دائمة لقواعد الاتحاد الأوروبي”.

وزاد الخبير الاقتصادي أن الدين العمومي الفرنسي قفز إلى مستويات قياسية ليصل إلى 114 في المائة من الناتج الداخلي الخام، أي ما يفوق 3.300 مليار يورو، بزيادة سنوية تناهز 185 مليار يورو، لتصبح فرنسا “أكبر دولة من حيث العجز وأقربها إلى حالة الإفلاس داخل منطقة الأورو”.
وقال برحو إن “تأجيل فرنسا التزامها بخفض العجز إلى ما بعد سنة 2029 يُعد إقراراً ضمنياً بفشل سياساتها الاقتصادية، سواء التقشفية أو التحفيزية، ويكرّس أزمة الثقة بين باريس وشركائها الأوروبيين”.

وأكد أن العوامل المالية والاقتصادية هي التي أدخلت فرنسا في دوامة سياسية “يصعب الخروج منها”، خاصة في ظل “رفض النقابات الكبرى الحوار، وانقسام الأحزاب، واستمرار الغموض في المشهد الحكومي”.
وتابع موضحاً أن هذا الوضع “قد يؤدي إلى شلل مؤسساتي خطير في واحدة من أقوى اقتصادات أوروبا، ما لم يتم التوصل إلى توافق وطني واسع حول خطة إنقاذ حقيقية”.

وختم برحو تحليله بالتنبيه إلى أن المغرب وإن كان بعيداً عن مستوى الأزمة الفرنسية، إلا أنه “يتقاسم معها بعض الإشكالات الكبرى”، مثل ضعف النمو وتفاقم عجز الميزانية وارتفاع المديونية.
وحذر من أن “استمرار هذا المسار دون إصلاحات هيكلية عميقة قد يؤدي إلى ضغوط سياسية مماثلة”، داعياً إلى “التحرك الاستباقي للحفاظ على توازنات المالية العمومية، وضمان استدامة النمو الاقتصادي في السنوات المقبلة”.