كود : حميد زيد ///
ليس الإرث. الإرث ليس إلا مطية. ليس إلا مبررا. بينها الهدف هو المجلس الوطني لحقوق الإنسان.
إنه لا يساير التراجع. ولا يساير العودة إلى الوراء. ولا يساير الربيع العربي السلفي والإخواني. ولا يسار الانغلاق. ولا يساير المغرب كما يريدونه.
وبمجرد سماعهم للخبر خرجوا. وشحذوا السكاكين. وسنوا السيوف. وتكتلوا من أجل الهجوم.
إنه آخر قلعة منيعة. وقد جربوا في وقت سابق أن يقتحموها وفشلوا. ويريدونها هي الأخرى لهم. ليضعوا فيها حامي الدين والفزازي وأبا النعيم ومن على هذه الشاكلة.
والأدهى، بالنسبة إليهم، أنها مؤسسة رسمية. ووسط سلطة محافظة يوجد حقوقيون يؤمنون بكونية حقوق الإنسان، ولهذا يجب التخلص منهم، وهذه هي المناسبة.
يجب تطهير الدولة ومؤسساتها من أي شخص فيه رائحة الحرية والحداثة وحقوق الإنسان.
يجب التخلص منهم وتعويضهم بالسلفيين وبمنتدى الكرامة والشيوخ والتوحيد والإصلاح والعدالة والتنمية.
منذ مدة والمجلس الوطني لحقوق الإنسان يشكل لهم غصة في الحلق، ويحتجون على تركيبته، ويسعون إلى تسييسها وخونجتها.
وقد ناضلوا من أجل ذلك، وينتظرون على أحر من الجمر تشكيلة المجلس الجديدة ليقتحموه، وليتبندوا فيه، وليدافعوا عن حقوق الإنسان المغربي من وجهة نظر إخوانية وسلفية.
ولهذا اختزلوا دراسة المجلس وتوصياته في مسألة واحدة، تخدمهم في حربهم المقدسة على هذه المؤسسة الرسمية، التي لم ينجحوا في اكتساحها بعد.
كل نضالات الأحزاب الوطنية، وكل التضحيات، وكل المكتسبات التي تحققت، وكل ما قبلت به السلطة مضطرة، يسعون اليوم إلى التخلص منه، والعودة إلى الصفر.
وعلى الدولة أن تبقى محافظة، ومنعزلة عن العالم، وغارقة في الخصوصيات، وفي تبريرات المجتمع المحافظ، ليخلو الجو للإسلام الإخواني والسلفي، وليتحقق
التمكين والاكتساح التدريجي.
فما حا جتنا إلى مجلس وطني لحقوق الإنسان.
ما حاجتنا إلى ادريس اليزمي
ما حاجتنا إلى محمد الصبار
إنهم ينتمون إلى مغرب ما قبل العدالة والتنمية، والتخلص منهم مسألة وقت، وترتيبات، وقد قدم لهم المجلس الهدية التي كانوا ينتظرونها، وتلقفها لسان حالهم بسرعة، وهو الذي لا يتسرع عادة، ويدورها في رأسه، ويحسب ألف حساب، ويقدر الربح والخسارة، قبل أن يقدم على أي خطوة، وقبل أن يكتب أي حرف.
لكنه، وعلى عكس العادة، أخذته الحماسة، وبسرعة فائقة، انبرى للهجوم على المجلس والتشكيك في شرعيته، لأن المهمة نبيلة وتستدعي التعبير عن الموقف، وعدم إهدار الفرصة.
وهو يقول لنا إن المجتمع محافظ، ويعني بذلك أن المجتمع كله عدالة وتنمية، وأن المغرب له، وليذهب اليسار والليبراليون والحقوقيون إلى الجحيم.
لينسحبوا من هذا البلد.
وليمنحوا كل المؤسسات لتياره السياسي الديني.
والحال أن المحافظة المغربية لا علاقة لها بمحافظة الإسلام السياسي القادم من الصحراء ومن البداوة، وهي أكثر تقدمية وانفتاحا على الحاضر والمستقبل.
كل شيء انتهت شرعيته، وهناك اليوم شرعية جديدة، ورجال جدد، ونساء جدد، بينما الجميع صامت، ويتفرجون، ولا أحد ينتبه إلى هذا”التحكم” الجديد، الذي تخلص من الخجل، ومن التردد، وبدأ يستشعر القوة، وبدأ يعبر صراحة عن تصوره للسلطة والدولة في حلتهما الجديدة.
وبكل جرأة، هناك من يدعو اليوم إلى تعويض الحقوقيين بالدعاة والفقهاء والسياسيين، ومنحهم المجلس الوطني لحقوق الإنسان.
وهناك من يدعو إلى محاكمة المجلس والقبض على رئيسه وأمينه وكل تركيبته.
إنهم يريدون محو أكثر من خمسين سنة من التضحيات.
كل ما انتزعته القوى الديمقراطية من السلطة يسعون إلى إلغائه
ليصنعوا دولة جديدة
متخلفة
بدوية
إخوانية.
وقد لا يتخلون عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وقد يحتفظون به، ليصبح شيئا آخر، يجلس فيه أشخاص آخرون، يعوضون الموجودين الآن، والذين ينتمون إلى حقبة أخرى، حقبة كان فيها المغرب يسعى إلى أن يصبح دولة مثل الدول المتقدمة والديمقراطية.
وها هي علامات المستقبل المغربي تظهر الآن.
من خلال ما يكتب ومن خلال الهجوم على المجلس.
وأنا أرى المجلس القادم
وأرى تشكيلته
حسب ما يتمناه المسخرون
أرى مجلسا
فيه الشيخ محمد الفزازي
وعبد العالي حامي الدين
وجمعيات حقوقية سيؤسسها الإسلاميون على عجل، لأن ثقافة حقوق الإنسان جديدة عليهم وعلى أدبياتهم.
وأرى جمعية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وأرى شرطة المطاوعة في المجلس
ومكلفين بإرغام المجتمع على أن يبقى محافظا
وخارج التاريخ
وخارج العالم الذي نعيش فيه.
إن صورة المستقبل الذي ينتظرنا بدأت تظهر معالمها
وقد زال الخجل
والأصوات التي كانت مترددة
شرعت تعبر صراحة عن المغرب الذي تتمناه
وبثقة زائدة في النفس
أما قضية الإرث
والمساواة
فليست إلا مطية
لتسريع الانقضاض
على آخر ما تبقى من “المندسين” في المؤسسات الرسمية
والتخلص منهم في أقرب فرصة
لتأسيس دولة جديدة
ومؤسسات جديدة
تقطع مع الماضي
ومع الحاضر
ومع المستقبل
وتتجه إلى عالم البداوة الرحب
الذي لا توجد فيه حقوق إنسان
ولا يسار
ولا يمين
ولا أحزاب
ولا هم يحزنون
عالم مطمئن
ومكتف
ويسقط محافظته على الناس كقدر
ولا يجد غضاضة في تحويل ذلك إلى حقيقة مطلقة
ليستحوذ على السلطة
وليبقى فيها إلى الأبد.