الحسن أوزغربلت- أستاد باحث //

 يجري مؤخرا بالمغرب إعادة النقاش بشأن الدارجة المغربية. وكل مرة يطرح فيها هذا النقاش إلا وتعددت الرؤى والتنظيرات والمواقف. والجدير أن التضارب قائم دائما بين معارض لهذا النقاش في الأساس، وبين مدافع عنه كضرورة  علمية ذات أبعاد سوسيوثقافية وسوسيولسانية تخضع إحدى أهم الإشكاليات الاجتماعية للسؤال. ولكن الأهم هو التضارب في المواقف إزاءها بين من يراها لغة قائمة الذات وجب توظيب الفعل للتدخل من أجل إنصافها خدمة للمجتمع وقضاياه اللغوية، وبين من يرى ذلك مجرد إهدار للوقت والموارد، كون هذا اللسان غير قادر على الإجابة على الاشكاليات الحقيقية للقضية اللسانية في المغرب، بل إن هذه المسألة في الأصل محكومة بأجندة مرتبطة بمصالح خارجية.

وقد حفز هذا التضارب من جديد مع صدور قاموس للدارجة عرف في الأوساط الإعلامية غير المتخصصة بقاموس “عيوش”. وفور صدور هذا القاموس، تعرض لشبه إجماع من حيث الهجوم عليه، واستند هذا الهجوم أساسا على ما تم ترويجه من بعض الصفحات في القاموس والتي تطرقت لأعضاء جسم الإنسان وبعض المفردات المعجمية التي يعد الحديث عنها من الطابوهات، خاصة إذا تمت مناولتها بلغة شعبية يفهمها “العامة” ويتداولها الناطقون في الشارع، كمفردة “حزقة” – زلالة (بتفخيم اللامين)- ومفردات أخرى من “المستور في جسم الإنسان”… حيث اعتبر ذلك ابتذالا وتفاهة واستهتارا بالقيم والأخلاق وغير ذلك من أحكام القيمة. وفي الواقع، يعد التطرق إلى هذه الأمور من صلب مهام “الليكسيكولوجيين” و”الليكسوغرافيين”. ولقد عرف المخطوط المعجمي المغربي، خاصة مزدوج اللغة (سواء من العربية إلى الأمازيغية، أو العكس) والذي يرجع بعض منها إلى ما قبل 9 قرون، ككتاب الأسماء لصاحبه ابن تونرت (1145)، ومعجم الهلالي (1665) ومعجم المجموع اللائق على مشكل الوثائق، لصاحبه عمر بن عبيد الله بن علي النفيسي وغيرها، هذه الظاهرة، وكانت الحقول الدلالية التي وظفت لا تخرج عن دائرة جسم الانسان والأمراض والحيوانات الأليفة، ولم يثر ذلك حتى الآن أي ردود مسيئة، بل تعتبر اليوم هذه الأعمال، مثار اعتزاز للدارسين اللسانيين والمهتمين بالرصيد الوثائقي التاريخي المغربي بصفة عامة. هذا دون الحديث عن ما يتداول في بعض الزوايا بالجنوب الأمازيغي المغربي من خلال بعض الكتب “الدينية” المدونة باللغة العربية الفصحى، كالكتاب المعروف ب”الأمير” الذي قام بترجمة قسم العبادة منه بالأمازيغية، العلامة علي بن أحمد بن محمد السوسي الإلغي الدرقاوي، من مجموع الشيخ الأمير المصري، والذي يعتبر مرجعا أساسيا لدى أتباع الزاوية الدرقاوية. وكذا الكتاب التعليمي الجنسي، الروض العطر في نزهة الخاطر لصاحبه أبو عبد الله محمد بن محمد النفزاوي فيما بين عام1410 و 1434، وكل هذه الكتب والمعاجم تتطرق للأعضاء الحساسة في جسم الإنسان دون أي إحراج يذكر، كون ذلك محكوم بقاعدة دينية مفادها “لا حياء في الدين” وأضيف لها “ولا في الطب”.

وبغض النظر عن مستوى علمية قاموس الدارجة، الذي وجب وضعه تحت مجهر العلم اللساني والسوسيولساني اللذان لوحدهما يجعلاننا في مستوى تقييم مضاميم هذا القاموس. فإن التدقيق المنهجي يحتم علينا الإقرار بأن المسؤول الأول في إصدار الأحكام عن أي عمل معجمي بأي لغة أو لسان كان، هم اللسانيون المتخصصون في ميداني علم المعجم (lexicologie)، وصناعة المعاجم (lexicographie )، واللسانيين المتخصصين، هؤلاء هم لوحدهم من بإمكانهم ذلك، مع الاحتفاظ بحق الجميع في إبداء الرأي والانطباعات.

ونحن في هذا المقال، سنحاول مساءلة الدارجة، ومنها اللغات الشعبية نفسها بنفسها من وجهة نظر سوسيولغوية. وسنرى إلى أي حد تتموقف هذه الرؤية من تلك، وإلى أي مستوى قد تدافع فيه اللغات الشعبية عن نفسها من موقف لساني اجتماعي موضوعي. كما سنحاول الإجابة عن الإشكالية العامة التالية؛ هل بإمكاننا توظيف الدارجة المغربية في مجالات التعليم والحياة المؤسسية العامة؟ ومن خلال هذه الإشكالية تتفرع إشكاليات أخرى؛ هل الدارجة لغة حية قائمة الذات، لها الخصائص نفسها التي تحوزها اللغات الطبيعية الأخرى؟ وما هي الحدود العلمية للمبررات التي ينطلق منها المعارضون لتوظيف الدارجة؟

وقد ارتأينا معالجة هذه الأسئلة من خلال الدارجة نفسها (الموضوع بالدارجة)، والهدف من ذلك هو الوقوف عند مستوى قدرة هذه الأخيرة للإجابة على إشكالية الكتابة، وبالفعل يتخلل ذلك اجتهادا من قبلنا، خاصة فيما يتعلق بحرف الكتابة من قبيل استعمالنا للحرف: “ؤ” كتعبير عن واو العطف، وبعض الأصوات فيما يتعلق بالإدغام، والحروف المفخمة كما في مثال: “أخرى” التي نقابلها ب” أخورا” … ولن نفوت التذكير بصعوبة وتعقيد مسألة التدوين بالدارجة والإنتاج بها بشكل عام، وكل ما يتعلق بالأخطاء محتملة الحدوث- من حيث المعجم والخط الموظفين- فذلك راجع بالأساس إلى وضع الدونية الذي يرزح فيه هذا اللسان. وما عدا ذلك من حيث المضمون يبقى مواقف قد تصيب أو تخطئ، ولكنها على الأقل تساءل الواقع اللساني واللساني الاجتماعي في هذا القطر من العالم.