للفساد رائحة، و له وجوه عديدة،يأتيك عاريا، وقحا و ينعدم الحياء في وجهه، أو يأتيك مدثرا بالغباء و اللامبالاة، يتبدى في ضياع ثروة البلاد و مجهودها، أو في إلحاق الضرر بحقوق المواطنين لفائدة مفسدين، تمكنوا بفعل مناصبهم، أو علاقاتهم ، من شراء الذمم و العبث بأسمى القيم التي تؤمن العيش السليم و السلمي بين المواطنين….
للفساد أيضا حكايات، تصادفك حين تصادف مواطنين يواجهونك بحقائق لا تنفع معها دروس الوطنية و الحكامة الرشيدة التي خطى فيها البلد خطوات كثيرة،و دور المراقبة و التنشئة على قيم العدالة و تطبيق القانون و غيرها من الأناشيد التي تصبح سمجة في مواجهة قصص الارتشاء،و الاختلاس و الفساد و التبديد المفرط للمال العام….
يجلس عبد الجليل الأنواري،يحدق في الرسوم التي خلفتها قهوته السوداء في الفنجان،لا يحكي حكايته قبل أن يطلب منك قراءة وثائق الملف،الذي يحتفظ بنسخ عديدة منه،و مستعد لمنحك إحداها إن أحببت….يمنحك وعد بالبيع الذي حرره بديوان موثق معروف بالدار البيضاء،و الذي يعد فيه ،من ستصبح خصما له في المحكمة، و هي زوجة مسؤول عن الصفقات في إحدى الإدارات التابعة لوزارة الداخلية،و الذي يستفيض في سرد تاريخ تحوله من موظف بسيط،لمستثمر في العقار،عبر زوجته هذه….وعدها عبد الجليل ببيعها عقارا في ملكيته،و حدد الموثق شروط البيع في ذات الوعد الذي كان مؤرخا في الرابع و العشرين من أبريل من سنة 2006…
يحكي لك عبد الجليل ، كيف أن المعني بالأمر، تخلف عن الالتزام بإتمام البيع في التاريخ المحدد في الوعد، و اعتقد أن السيدة زوجة المسؤول صرفت النظر عن اقتناء العقار الذي بحوزته،كما أنه صرف النظر عن بيع عقاره،و مارس حياته الطبيعية كما قدر له أن يعيشها…
مرت سنتين،و ارتفع سعر العقارات في مدينة البيضاء،و سالت شهية المسؤول ،وقرر إجبار عبد الجليل على إتمام صفقة لم يعد لها سند قانوني،فكل ما يجمع بينهما هو وعد بالبيع،تنتهي صلاحيته بعد أربعة أشهر من تاريخ إمضاءه…..
فتح ملف في المحكمة،و استكان عبد الجليل لعدالة قضيته،و ساير خصمه في دعواه….ليفاجأ بحكم يلوي عنق الحقيقة، و يسلبه عقاره الذي قرر الاحتفاظ به….فهم أن المسؤول اشترى ذمة القضاة الذين باشروا الملف….يشم رائحة الفساد، و يشم رائحة ارتشاء، لكنه لا يستطيع إثباتها….فقط يدعو كل قارئ،يستطيع تشفير رموز الحروف العربية،أن يطلع على ملفه…ثم يسأله :كيف تريد لي أن أثق بعدالة هذه البلاد؟
ملف عبد الجليل ألأنواري يحمل رقم 87/21/2008 بالمحكمة الابتدائية بالبيضاء.
"ن" ، سيدة في عقدها الرابع، إطار بوزارة ما، مكنها أجرها، من ادخار قليل من المال،أضافته لما ادخره زوجها، و لما حصلت عليه كقرض من البنك، لتقتني به شقة كي تقطن بها….في بحثها عن فرصة مربحة، صادفت عقارا مملوكا لمواطنة تريد بيعه لفك ضائقة مالية ما، اتفقتا على الثمن و قررت "ن" اقتناء شقة السيدة المعسرة…
مشكل العقار أنه كان مكترى لوزارة التجارة الخارجية، و التي يرأسها الوزير الاستقلالي عبد اللطيف معزوز،مما جعل "ن" و زوجها ، يراجعان المسؤول عن القسم الذي يدير البنايات المكتراة ، و الذي أكد لهما أن العقار سيتم إفراغه من ساكنه، و الذي لم يكن سوى ذات المسؤول، في متم شهر دجنبر من سنة 2009…
تمت صفقة البيع بن السيدة "ن" و صاحبة العقار المعسرة….
حلت نهاية شهر دجنبر، و تم إفراغ العقار من ساكنه، لكن الوزارة رفضت تسليمه لمقتنيته الجديدة، بحجة أن إدارة الشؤون العامة، عرفت تعينا جديدا لمديرة جديدة، لم تكن سوى أخت وزير الخارجية، السيد الطيب الفاسي الفهري….
منذ ما يزيد عن السنة و نصف، و العقار فارغ، و غير مستغل، و الوزارة تتحمل السومة الكرائية لذات العقار….إنه التبديد الصرف لجزء من المال العام، قد يبدو ضئيلا لكنه الأكيد الشجرة التي تخفي غابة الفساد المتشعبة….
و يحصل أن يحكي الجيران عن استغلاله من طرف أبناء مسؤول ما، أو من طرف المسؤول بنفسه لحاجات، الأكيد أنه لا علاقة لها بوزارة التجارة الخارجية…و بإقتصادنا الموجه للخارج…..
عقار المواطنة "ن" يحمل رقم 75098/R ….وهو فارغ و تتحمل الوزارة سومته الكرائية…
إنها جزء بسيط من حكايات الفساد التي تمشي بيننا ، و تجعل من عبدالجليل و"ن" ، مواطنين بدون أمل…