الرئيسية > آراء > نعم يا بنكيران. اللحية ليست بشيء، والحجاب ليس بشيء وباقي السنة النبوية أيضا… لكنك تأخرت يا أستاذ. تأخرت كثيرا، فلو قلت لي هذا الكلام قبل ثمانية عشر عاما لما كنت تركت الحسناء الشقراء التي اغرمت بها في الثانوي تضيع مني
24/03/2019 12:00 آراء

نعم يا بنكيران. اللحية ليست بشيء، والحجاب ليس بشيء وباقي السنة النبوية أيضا… لكنك تأخرت يا أستاذ. تأخرت كثيرا، فلو قلت لي هذا الكلام قبل ثمانية عشر عاما لما كنت تركت الحسناء الشقراء التي اغرمت بها في الثانوي تضيع مني

نعم يا بنكيران. اللحية ليست بشيء، والحجاب ليس بشيء وباقي السنة النبوية أيضا… لكنك تأخرت يا أستاذ. تأخرت كثيرا، فلو قلت لي هذا الكلام قبل ثمانية عشر عاما لما كنت تركت الحسناء الشقراء التي اغرمت بها في الثانوي تضيع مني

وسيم ريان – كود//

تأخرت دهرا يا بنكيران لكي تقول لنا ما كنا سنحدسه بفطرتنا. لتقول لنا ما هو بديهي وواضح. وكل ما آسف عليه هو تلك الشقراء الرشيقة التي رافقتني في الفصل طوال سنوات الثانوي ممزقة أوصالي بحسنها ونظراتها، والتي تعففت عنها مأخوذا بخطاب الإسلاميين الدعوي الذين وعدونا التمكين والنصر، على شرط ان نصلي الفجر ونترك الملذات ونتبعهم في المظاهرات…

وأتذكرك أنت وباقي أنوع الإسلاميين في سلا تزايدون علينا ونحن شباب وتقولون لنا يا ويل من اتخذ إلهه هواه، وكان هواي أشقرا وكنت مستعدا لأن أعبد جسمها، لكنني لما كنت أقابلك مساء في المدرسة الخاصة أرض السلام كنت تسألني عن علاقتي مع الله ولا تسألني أبدا عن علاقتي بالشقراوات. وفي الصباح كان أستاذ العربية الإسلامي الحركي يقفز عن محور الحب كاملا في المقرر ويصرخ فينا، لا حب إلا حب الله وما تبقى فسوق.

لن تصدق لكن هذا ما كان يحصل، وبينما كنت أنت تقوم ببهلوانياتك قافزا ما بين الدين والسياسة لتحكم وتفرش صالونك، كانت القلوب تتحطم ويتنائى العشاق. وكنت آتي إلى الصف ألوك قصائد نزار ودرويش لكي أكسب بها قلب الشقراء لكن الأستاذ الحركي يباعدنا ويفصل البنات عن الأولاد ويفعل مثله باقي الأساتذة رهبة أو تقليدا أو مزايدة، ويقفز بكل يستطيع من قوة عن فصل الحب ليعلمنا نواقض الوضوء بدلا عن تقنيات العشق الحيوية والمصيرية للمراهقين، ويهجر قصيدة جارة الوادي وأبقى أنا والشقراء متباعدين ينهشنا الحب من الداخل عاجزين عن التأوه أو البوح، نستمع للكلام عن حكم خروج الريح من الدبر بصوت أو من دون صوت، بدل أن يدرسنا أستاذ مرح ومتواطئ قصائد الهيام والتيه في الحبيبة وهو يغمزنا لأنه رأى أيادينا متشابكة تحت الطاولة.

لكنكم لا تقفزون عن الحب الآن، بل تحتفون به وتدافعون عنه وبكل أشكاله. ويا فرحتكم به وبحلاوته خصوصا مع التعويضات المتينة وتحت أضواء شوارع باريس الشاعرية. وتتناكحون في المكاتب والخلاء والقمقوم، وكنتم تزايدون علينا وتقولون لنا أن المؤمن كالقابض على الجمر، وآمنا بما قلتم وما وجدنا أنفسنا قابضين عليه لم يكن جمرا، وإنما شيئا اسطوانيا رخوا متطاولا يسكب ماء ثقيلا في حجرنا، لما اكتشفنا أنكم توقعون عقود الزواج لبعضكم البعض بالرجع، وتطلقون البالية وتتزوجون باليافعة، وتنزعون الحجاب الذي عذب المراهقات التواقات للحياة وتحلقون اللحى التي شقينا حتى نربيها ونحن مراهقون لكي نجاريكم.

وكنتم أنتم والعدل والاحسان فكي كماشة أخلاقية إرهابية في سلا لا ترحم. ومن لا يعرف سلا في نهاية التسعينيات لا يمكن أن يتصور حجم التعنيف الدعوي الذي مارستموه على جيلنا. وطلبتم منا الكثير، الزهد والعفاف والطاعة، والآن تقول دون أن تتخيل وقع ذلك على من صدق كلامك أن المناصب وتعويضاتها برد وسلام عليكم، بمعجزة أكبر من معجزة نار إبراهيم، وتناسيت أن مغفرة الله هي التي لا يرتجى غيرها كما كنتم تنشدون علينا في حفلاتكم الخرائية التي نظمتم في ثانويتنا وكليتنا، وأن الأغنياء يطول حسابهم يوم القيامة، والزهاد يطيرون لخفتهم فوق السراط.

وأول ما زهدتم فيه بعد أن “ترقعتم” هو هذا النوع من الخطاب المدغدغ الأخرق. ولا ألومك على تغيرك أو تغير خطابك فأنا أعرفك لست بخوانجي حقيقي، ولم تكن يوما داعية وإنما سياسيا متمرسا، لكنني ألومك لأنك لعبت اللعبة معهم وزايدت مع المزايدين وتنطعت وتنافخت زهدا وشرفا أنت وجماعتك وكان بإمكانك ألا تفعل ذلك. والآن بعد أن كبرت وخبرت حقيقة الأشياء تعترف لنا متأخرا بأن الاستمتاع بالحياة هو الأولوية وأما الباقي فيذهب جفاء، ولكن الشقراء للأسف قد كبرت وولدت قيصريا أربع مرات وضعف بصرها وقد لا تتعرف علي أنا بعد أن فقدت وسامتي زاهدا في الحياة، ولن تعود أبدا أيام الشباب التي يحلو فيها التعبد والابتهال للشقراوات.

لكنك حسنا فعلت. الآن عدت رسميا إلى معيارية الإسلامي المسيس. أي الحربائية. لم تعد تحتاج أن تزايد على الآخرين أو تدعي كما كنت تفعل معنا ونحن سذج. وهذا لا يتطلب منك سوى لغة مزدوجة، معاملة مزدوجة، ونوايا مزدوجة أيضا. واحدة للداخل، للشبيبة ومغفلي حزبك وأخرى للخارج، للأصوات الانتخابية.

أنت تقبل الآن الفصل الذي كان واقعا وكان يعمل به الجميع على مدى قرون، ولكنكم أصررتم وباقي الاسلاميين على استحالة الفصل وضرورة تشكيل الجميع بنفس القالب، وبدل الفصل البديهي والمنطقي ما بين الثرات والحياة اليومية في انتظار إعادة اختراع أخلاق تناسب الحداثة بتدني الأمية، أنتم تصرون الآن على تكريس الازدواجية للخروج من مأزقكم: أخلاق للأفكار تسمونها كبتا، وأخلاق للكلام تسمونها مبادئ، وأخلاق للفعل تسمى أرض الواقع.

الآن سيتعلم منكم الجيل المسلم الناشئ، إن كان هناك من سيثق حاليا بالخطاب الديني، حرفة التعامل المزدوج. سيتعلموا ألا يقولوا ما يفكرون فيه، وألا يفعلوا ما يقولونه. يتركون أخلاق الفعل للكسب والتحصيل، وأخلاق المبادئ للمقاهي والمنتديات، وأخلاق الأفكار للخلسة.

لن يحتاجوا للأسف لأن يحاربوا تناقضات المجتمع أو يواجهوا المآزق الحقيقية للمعتقد أو يفكروا في بديل للتدين الرجعي والمتقادم. ما عليهم إلا أن يتلونوا كما تفعلون، وإن أمكن مع لمسة من الفنية والجمالية فذوقكم منحط فعلا، لينسكبوا في أي قالب وأي معيار.

موضوعات أخرى