الوالي الزاز -گود- العيون///

[email protected]

تشهد منطقة شمال أفريقيا اصطفافات مُجاهر بها تفرضها التطورات الدولية والمستجدات على الساحة الشرق أوسطية وحتى الأوروبية والأمريكية، حيث سارعت دول المنطقة لإبراز موقفها منها، بيد أنها وجدت نفسها أمام تناقض في المصالح وحالة من الحيرة التي كانت بادية بناء على رأي الشارع العام.

ولعل أهم دول المنطقة التي باتت في حالة من التوجس للموافقة بين الرأي الرسمي ورأي الشارع نجد موريتانيا التي تجاهر بموقفها الداعم لوحدة وسيادة منطقة الخليج العربي، بيد أن شارعها العام يعيب على نظامه الانقياد خلف دول الخليج على حساب إيران في الحرب المتواصلة حاليا بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.

موريتانيا.. الموقف الرسمي من الوضع في الشرق الأوسط والخليج العربي

شنت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل سلسلة هجمات على إيران انتقلت فيما بعد لما يوصف بكونه حربا عليها، حيث توالت ردود أفعال الدول العربية والإسلامية، والتي جاء أغلبها واضحاً وصريحا يؤكد دعمها الثابت لدول الخليج العربي ضد الهجمات التي تشنها إيران.

وفي هذا الصدد، التزمت موريتانيا منذ الوهلة الأولى بموقف واضح أدانت من خلاله الهجمات الإيرانية على دول الخليج، إذ شدد الرئيس الموريتاني، محمد ولد الشيخ الغزواني، في سلسلة محادثات هاتفية استثنى منها المملكة العربية السعودية إلى حدود اللحظة، وأجراها مع رئيس الإمارات محمد بن زايد، وأمير قطر تميم بن حمد، وأمير الكويت مشعل الأحمد جابر الصباح، ثم أمير البحرين حمد بن عيسى آل خليفة، فضلا عن سلطان عمان، هيثم بن طارق، كما أعربت عن تضامنها الكامل معها، ورفضها القاطع لأي مساس بسيادة الدول العربية وأمنها واستقرارها.

وفي المجمل يتماهى الموقف الموريتاني الرسمي مع موقف دول الخليج العربي، وذلك راجع لعدة أسباب بعيدا عن الأخوة والصداقة وغيرها، ولكن أيضا للمصالح الاقتصادية وجملة الدعوم التي تتوصل بها من لدنها، وإن كانت الإماراتية منها هي البادية، والسعودية منها هي الأقل مقارنة بما تقدمه أبوظبي، إلا أن “تبعية” موريتانيا للإمارات خليجيا أضحى محل توجس سعودي، ما يفسر عدم تواصل القيادتين الموريتانية والسعودية إلى حدود اللحظة.

موريتانيا وإيران.. تذبذب في العلاقات

اجتازت العلاقات الموريتانية الإيرانية عدة مراحل بين ما يمكن وصفه بالهادئة وما يمكن وصفه بالخطيرة، بيد أن تلك المرحلة الخطيرة هي التي كانت الأكثر تحليل لاسيما في العقد الأخير، نتيجة للتدخل الإيراني في الشأن الموريتاني ومحاولاتها التغلغل في شمال أفريقيا، وهي المحاولات التي لم تسلم منها المملكة المغربية أيضا، وكذلك بسبب دول الخليج نفسها وتماسها المباشر مع إيران.

وتعد فترة الرئيس المخلوع معاوية ولد الطايع الأهم فيما يخص تلك العلاقات، حيث قطع العلاقات معها طيلة فترة رئاسته منذ 1984 وإلى غاية 2005، بذريعة محاولات طهران التدخل في الشأن السياسي الموريتاني ورعاية النظام الإيراني للمعارضة الموريتانية.

عاشت العلاقات بين انواكشوط وطهران مرحلة من الهدوء، حيث بذل البلدان جهودا من أجل تحقيق تعاون مشترك، بين أن أواصر هذه الروابط كانت محل مصالح خاصة بالنسبة لإيران، إذ لم تدخر طهران عبر سفارتها في انواكشوط جهدا سنة 2010 في سبيل المس بعقيدة موريتانيا من خلال نشر التشبع ورعايته، وهو الأمر الذي جرى تداركه من طرف موريتانيا بالقطع معه بعد تدخل مفتي موريتانيا أحمدو ولد لمرابط ولد حبيب الرحمان، بيد أن القطع مع التحركات الدينية الإيرانية لم تلاقي فعلا ملموسا من طرف موريتانيا، عندما احتفظت بردة الفعل إلى حين توفر غطاء مناسب يمكن تمريره عبره، وهو ما حصل فعلا ولكن بحدة أقل.

موريتانيا وإيران.. ردود فعل توددا للمملكة العربية السعودية

استغلت موريتانيا الهجوم على السفارة السعودية في إيران يناير 2016 أحسن استغلال وضربات عصفورين بحجر واحد، حيث خفضت التمثيل الدبلوماسي الإيراني لديها، وأوصدت مراكز دينية وتعليمية تابعة لها سنة 2018، لترد صاع محاولاتها نشر التشيع والقرب من منطقة الساحل الأفريقي عبرها، وكذا توددت بهذه الأفعال للمملكة العربية السعودية، في سياق تجسيد مبدأ الأخوة والصداقة وضخ دماء جديدة علاقاتها معها بالنظر للتحولات في المشهد السعودي، دون إغفال شيطنة الغرب لإيران بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

ردة الفعل الموريتانية لم تتوقف عند ذلك، بل شملت أيضا استدعاء السفير الإيراني في انواكشوط وتحذيره من النشاطات المشبوهة له في موريتانيا، ومضت في سياق ردود الفعل أيضا لاستدعاء السفير محمد عمراني، مجددا يوليوز 2018 نتيجة لتقارير كاذبة لوكالة أنباء إيران الرسمية حول لقاء جمع بين وزير خارجيتها إسماعيل ولد الشبخ أحمد، مع ذات السفير.

تخلل العلاقات الموريتانية الإيرانية محطات من الشد والجذب، وهي المحطات التي كانت غالبة في علاقاتها، حيث تعاطت طهران مع موريتانيا باستصغار، بيد أن موريتانيا كانت ندا وتصدت للتذاكي الإيراني، دون أن يلقى ذلك التقدير الكافي من طرف الرأي العام المنقسم بين الثناء على الموقف الرسمي ورفضه تحت يافطة دينية عِمادها تفضيل إيران على إسرائيل حاليا.

موريتانيا وإيران.. رأي عام منقسم دَيدَنُهُ المفاضلة من زاوية دينية

خلف الموقف الرسمي الموريتاني من الأزمة الحالية في الشرق الأوسط والخليج العربي رد فعل منقسم في الأوساط الموريتانية بين مؤيد متصلب للموقف دعما للعروبة، وبين رافض انطلاقا من مقاربة المفاضلة بين إيران وإسرائيل.

وعلى الرغم من حظوة الاصطفاف الموريتاني إلى جانب دول الخليج العربي، إلا أن بعض الأوساط السياسية مضت في سياق المعارضة الفجة للحكومة من خلال تنظيم حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية لإفطار رمضاني على شرف السفير الإيراني، جواد أبو علي أكبر بداية مارس الجاري، والتعبير عن التضامن مع النظام الإيراني، حيث تجاوز بعض منتسبي الحزب البروتوكول بتقبيل يد السفير الإيراني تعبيرا عن التضامن.

وبالعودة لهذا الفعل والحزب المسؤول عنه، فلا بأس بالتذكير بخلفية حزب “تواصل”، وهي الخلفية الدينية الصرفة، حيث حاول انطلاقا منها التضامن مع إيران على حساب إسرائيل، أو بمعنى أصح انساق خلف إيران الإسلامية على حساب إسرائيل العدو الخالد وبدرجة أقل الولايات المتحدة الأمريكية.

هذا التضامن المبني على خلفية دينية ترعاه أيضا تراكمات تاريخية كثيرة في السبعينيات والثمانينيات عندما تم التسويق لإيران كثورة إسلامية أكثر منها خلع للنظام البهلوي بقيادة محمد بهلوي، الشيء الذي لاقى ترحيبا في موريتانيا آنذاك، حيث تركت تلك الثورة رواسب كبيرة في المجتمع الموريتاني، حتى بات اسم الخميني رائجا إلى حدود اللحظة.