حميد زيد – كود//
من أين للدولة بملعب كرة قدم حتى توفره لساكنة أيت بوكماز.
فالملعب يحتاج إلى مساحة أرضية. في زمن قلت فيه الأرض.
وإلى عشب طبيعي. أو اصطناعي.
وإلى شباك مرمى.
وإلى عارضة.
وإلى خطوط بيضاء تحد الملعب.
وإلى خط في الوسط.
و إلى خطي تماس.
وهذا كثير على الدولة.
وعلى كل السلطات. وعلى السلطة المحلية التي اعتادت أن تتصرف بجدية. وبصرامة. و بتقشف.
قبل أن يظهر مواطنون يطالبونها بملعب يلعب فيه صغارهم.
بينما من طبع السلطة أنها لا تمزح. ولا تلعب.
ورغم أن الدولة تبذل قصارى جهدها. فهي لا تستطيع أن توفر بقعة أرض. تبني فيها ملعبا.
وحتى لو كانت لها بقعة الأرض.
فمن أين للدولة بالعشب.
وحتى لو كان لها العشب. فمن أين لها الكرة التي سيلعب بها الأولاد في أيت بوكماز.
لذلك على مطالب الناس في أيت بوكماز أن تكون واقعية.
وغير مبالغ فيها.
وأن لا تكون تعجيزية. ومسيسة.
وقد سمعتُ الناس في أيت بوكماز يطالبون بتوفير طبيب قار في القرية.
لكن من أين للدولة بطبيب قار.
وحتى لو حصلتْ الدولة على طبيب واحد.
وهذا مستبعد.
فالطبيب يحتاج إلى مستوصف صغير. وفي المستوصف مكتب.
وصنبور ماء.
وسرير.
وضمادات. ومعقم.
ومواد تنظيف.
وممرضة تساعد الطبيب.
وهذا كله يثقل كاهل الدولة. ويشكل عليها عبئا.
ويجعلها تنشغل بالسفاسف. وبالأمور البسيطة.
بينما الدولة منشغلة بما هو أهم.
ثم إن أيت بولكماز هذه بعيدة.
وتحول عقبة في الطريق دون بلوغها.
وليس من السهل وصول الدولة إليها. ووصول الطبيب. ووصول الآجر.
والإسمنت.
وباب للمستوصف.
و ليس من السهل وصول الملعب.
ووصول الكرة.
وقد كان من الأفضل أن يأتي الناس في أيت بولكماز إلى الدولة.
بدل أن تذهب هي إليهم.
وبدل أن يقطعوا عشرات الكيلومترات بحثا عمن يستجيب لمطالبهم التعجيزية هذه.
وقد كان بإمكانهم أن يعيشوا بلا طبيب ولا ملعب كما تعودوا على ذلك لسنوات.
وقد كان بإمكان نسائهم أن ينجبن في بيوتهن كما تعودن على ذلك لقرون.
وقد كان من الممكن أن نتفهم معاناة الساكنة في أيت بوكماز.
إلا أنهم يسيسون مطالبهم.
ويطالبون بالمستحيل.
ويريدون لاقط أنترنت ليتحدثوا بدورهم مثل بقية البشر في الواتساب.
و ليلجوا المواقع الاجتماعية.
وليتفرجوا في الفيديوهات في اليوتوب.
وليتابعوا الأخبار.
ولينقروا وليفعلوا الجرس كما يفعل معظم المغاربة.
و ليفكوا عنهم العزلة.
وهذا كله غير واقعي.
ثم من أي للدولة.
ومن أين لشركات الاتصال التي تربح كما لا يربح أحد في هذا البلد بلاقط أنترنت.
كي تحمله إلى أيت بوكماز البعيدة.
وتغرسه في الجبل.
وتعيق به الرؤية.
وتلوث به الطبيعة.
وما يجعلنا لا نتضامن مع الناس في هذه المنطقة هو أنهم يرغبون في طريق سالكة.
ومعبدة.
وفي وقت يطير فيه الناس.
ويركبون في الروبوتاكسي.
فإن ساكنة هذه القرية مع الجمود. ومع العودة إلى الوراء.
ومع التشبث بالماضي.
ومع الطرق الكلاسيكية. ووسائل المواصلات القديمة.
في تناقض مع توجه الدولة الحداثي والمنفتح على المستقبل.
وحتى لو استجابت الدولة لكل هذه المطالب
و وفرت سلطتها المحلية للساكنة طبيبا
و مستوصفا
وملعبا
وشبكة أنترنت
فمن أين للدولة بسدود صغيرة تحفظ المياه وتحمي من الفياضانات.
والحال أن الدولة بعيدة عن أيت بوكمراز
أما السلطة التي تمثلها
فإنه يجب أن يقطع السكان عشرات الكيلمومترات كي يصلوا إليها.
وهذا مرهق للسلطة.
و بسبب إحراجا لها.
وبسبب زحمة أمام بابها.
وبما أن الطريق غير سالكة
وغير معبدة
و بما أنه لا وجود لشبكة هاتف وأنترنت.
فإنه من الصعب على الدولة
أن تستجيب لكل هذه المطالب البسيطة
والتي تحرجنا جميعا كمغاربة
وتجعلنا
نخجل من كل هؤلاء الناس الطيبين في أيت بوكماز
وتجعلنا
نعتذر لهم واحدا واحدا
بعد أن قطعوا كل هذه المسافة
وبعد أن ناموا في العراء
من أجل طبيب يعالجهم
ومن أجل ملعب
ومن أجل شبكة أنترنت
يتواصلون بها مع إخوانهم المغاربة ومع العالم.
وهذا صراحة كثير
ومبالغ فيه
ويفرض على كل المسؤولين في هذا البلد أن يعتذروا
للمواطن المغربي في مثل هذه القرى والدواوير
لأنه طيب
ويطالب بما يطالب به في احترام تام للقانون
ودون لجوء إلى العنف
ويطالب بأشياء
على كل سلطة مسؤولة أن تحاسب لأنها لم تحققها للمواطن المغربي.
في هذا العصر.
وفي هذا المغرب الذي لا نكف عن الحديث عن نموه
وتقدمه
وتميزه
بينما لا يزال فيه مغاربة
يريدون طبيبا واحدا قارا في قريتهم
ولا من يوفره لهم.
ولا من يستمع إليهم
إلى أن خرجوا في مسيرتهم الطويلة
بحثا عن السلطة
التي تخلت عنهم.
ليخبروها بأنهم موجودون
وبأنهم ظلوا يتصلون بها
لكن هاتف السلطة ظل لا يرد
بسبب غياب التغطية
وبسبب عدم وجود اللاقط على الأرجح.