كَثُرَ العقلاء الذين يسدون النصيحة لحركة العشرين من فبراير،الذين يؤاخذونها على الاستمرار في الاحتجاج بعد اعتماد الدستور الجديد،و الذين يلومونها لأنها ارتمت ارتخاءا في حضن جماعة العدل و الإحسان،و الذين يؤاخذونها لأنها تسبب البوار و الكساد للتجار الذين يفترشون سلعهم في مسارات مظاهراتها…..العقلاء ذاتهم من يشهرون ورقة العشرين من فبراير حين يفاوضون حول مكاسبهم، و حول مواقعهم و حول مغانمهم،إذ جاء الدستور متقدما لأن حركة العشرين من فبراير رجت الكثير من اليقينيات،و طال لسان البعض انتقادا و شجاعة،لأن حركة العشرين من فبراير،صوبت سهامها نحو عدوها الذي خنق كل مسام الجلد في جثتها العفنة،و كسب الكثيرين ممن انكمش جلدهم السياسي بفعل الشيخوخة أو بفعل انعدام الحيوية الداخلية للجسد الحزبي،الكثير من الوهج الذين افتقدوه…
 
يريدون استعمال الحراك الاجتماعي كعازل طبي،يقضون به وطرهم من هذا الشعب المنهوك،بفعل الفقر و الحاجة و التخلف، ثم يلقون به في القمامة، أو يسربونه في مجاري المياه العادمة كأي نفاية طبية،استنفذت وضيفتها في الوقاية من الحمل السفاح،أو من ملامسة جلد مريض معد….
 
العقلاء هنا ليسوا رجال الدولة، الذين تظاهروا بسعة صدر كبيرة ، و رحابة في تلقي النقد و الرغبة في الحوار، و هو ما أعتبره شخصيا تحصيل حاصل، ناتج عن وعيهم بخطورة الظرف الجيوسياسي، و بضرورة التأقلم معه و مسايرته إن هم أرادوا البقاء ، هي غريزة البقاء وحدها ما ضخت في عروقهم قيم الديمقراطية و الحوار و الإنصات المفاجئين لطبيعتهم….
 
العقلاء هنا أعني بهم شريحة من المناضلين، أو من المثقفين، سابقين أو معاصرين،مستقلين أو منضويين في أحزاب و هيئات مدنية،يظهرون عبر منابر إعلامية، أو من خلال وظائفهم الإدارية، و هو يسدون النصح، في تعال عما يمور في المجتمع من مخاض،لحركة العشرين من فبراير و شبابها،يريدون وئدها من أجل لا بديل، ليس هناك تصور و لا ضمانة لما سنسير عليه كمجتمع، و في مراهنة على الدولة،و حسن نيتها،دون ضمانات بل و في ظل مؤشرات على عودة آليات الانتكاس التي عرفتها نهاية العقد الماضي……
 
المتتبع لحراك العشرين من فبراير ، يستنتج بدون عناء تفكير، أن جماعة العدل و الإحسان أحكمت قبضتها على الحركة، و أن المكون اليساري و الحداثي ضئيل ، بل أصبح وجوده يتلاشى مسيرة بعد أخرى، و جمعا عاما بعد آخر، و هنا نوجه اللوم لشباب الحركة، بدل التوجه لذواتنا، و نسائلها عما قدمته لهذا الشباب الذي بدأ حراكه حداثيا و سينهيه لا شك جهاديا؟
 
ماذا قدمنا للوهج الحداثي الذي كان سباقا لاقتناص الحراك العربي، و تنظيمه في إطار مبادرة العشرين من فبراير، قبل أن تلتحق به حركة العدل و الإحسان و تستولي عليه؟ و أعني هنا فعاليات حزب النهج الديمقراطي،و حزب الاشتراكي الموحد، و حزب الطليعة و فاعلين في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان و غيرها.. غير تسفيه مبادراتهم و اقتناص أخطائهم والتهويل من خطر مسايرة برامجهم؟؟؟
 
اعتقد أن الكثيرين ممن ينتقدون هؤلاء، لهم قواسم مشتركة معهم، على الأقل في مستوى تصورهم للعالم و المجتمع بشكل عام، و في فهمهم للحداثة و الديمقراطية بشكل خاص، تجعل منهم حلفاء منسجمين ، لا خصوم ألداء، و تجعل جماعة العدل و الإحسان في تناقض و التطلع الحداثي للمجتمع، لا منسجمة و حاضره الموبوء….بصفاء المرجعيات، لا بتلوث الأجندات…
 
دون ذلك يحز في نفسي، أن أحيي الصديقة ماما سميرة، و الصديقة خديجة الرياضي و همتا منضبطتين في الصف الأخير من مسيرة الرباط للعاشر من يونيو،بين نساء العدل و الاحسان….