نشرت جريدة الاتحاد الاشتراكي في عدد 9764 بتاريخ 22 أبريل 2011، مقالا للأستاذ فتح الله ولعلو، بعنوان " ميلاد جيل جديد و ضرورة مصاحبته"، يستعرض الأستاذ من خلاله وجهة نظره للحراك الذي يعرفه المجتمع، ويحاول تقديم آفاق للمستقبل وفقا لقراءته الخاصة.

تبدو كلمة مصاحبة، إن نظرنا إليها من خلال السياق العام للمقال، مجرد تورية تحمل في ثناياها دلالة الوصاية و الاحتواء، و هذا لا يستقيم إلا في حالة تباين بين طرفين بعلو أحدهما و دنو الأخر. تدل هذه المقاربة على نرجسية النخب التي ظلت تؤثث المشهد السياسي لعقود، و رفضها النزول من أبراجها العاجية و النظر إلى واقع المجتمع كما هو، لا كما تحب أن تراه بما يوافق أهواءها و يخدم طموحاتها.

يرى الأستاذ ولعلو "شباب يشعر انه ضحية الإقصاء الاقتصادي و الاجتماعي، لأنه شباب يعاني من البطالة و خاصة بطالة الخريجين". نلاحظ أن الأستاذ حصر الحركية الموجودة في الشباب، في حين شاركت في الاحتجاجات مختلف الفئات العمرية التي غادرت السياسية كرها لا طوعا، هربا من مشهد سياسي موغل في الرتابة و الرداءة، و الجمود الفكري و الهرولة من اجل استعطاف السلطة. كما لا يمكن إغفال البعد  السياسي فيها ، من مطالبة بحل الحكومة و البرلمان، إقامة ملكية برلمانية، و الفصل بين السلطة و الثروة، و تعديل الدستور و محاربة الفساد… و هي نقاشات ظلت حبيسة الصالونات، بل و كان الجهر بها حتى داخل الأحزاب يقض مضجع زعاماتها الراغبة في عطف السلطة.  
 
أجد مقاربة الأستاذ ولعلو للمسألة الاجتماعية، و حصرها في البطالة، مقاربة تبسيطية و اختزالية لما يموج به المجتمع المغربي من مشاكل،  كضعف القدرة الشرائية لدى الطبقات الوسطى السائرة نحو الانقراض، و انتشار الريع، و استشراء الفساد، و تزايد نفوذ عائلات بعينها، و الاغتناء السريع، حتى انقلب تعريف الاقتصاد على عقبيه من "تدبير عقلاني للندرة داخل المجتمع" ليغدو " توزيعا حصريا للثروة بين فئة أقلية"، و لم أجد تبريرا لإحجام الأستاذ على طرح هذه الأسئلة الحارقة، سوى ما قاله ماركس " لا تطرح الإنسانية على نفسها إلا المسائل  التي تستطيع حلها" لأنني استبعد جهله ،وأرجح فرضية طرحه للأمور من زاوية تسهل عليه الركوب على حركة فتية، وهو سلوك قد يبدو مقبولا في زمن افتضت فيه بكارة السياسة بمعناها النبيل و اختزلت في الميكيافلية العمياء.  
   
 يمضي الأستاذ في تحليله ليوجه دعوته للشباب من أجل الانخراط في الأحزاب، أرى هذا التشخيص خاطئا، لكون الفراغ الذي تركته الأحزاب داخل المجتمع هو الذي أدى إلى بروز هذا الحراك، حيث إن مطالب الشارع تدل على كون الطلب السياسي موجود، و لكن العرض السياسي غائب، و بالتالي فالمطلوب هو إعادة تأهيل الأحزاب لتجيب بعرض يشفي غليل المجتمع، حيث صارت الأحزاب جزءا  من السلطة، تتبنى ما تقول، و تهرول نحو ما ستجود  السلطة عليها به، لم يعد يرى المواطن دورا و لا يلمس لها تأثيرا، لغياب دينامية تأتي كحركة عفوية للتاريخ، و تتجسد في التداول على المسؤولية داخل الأحزاب، و هو الأمر الذي أشار إليه الأستاذ عبد الله العروي في كتابه من ديوان السياسة " ما يجعل السياسة بئيسة عندنا هو شموليتها، لم تتكون نخبة سياسية واسعة تتأهل و تتجدد باستمرار، تتحمل المسؤولية لمدة محددة كعبء مكلف"، حيث يؤدي غياب  التداول على المسؤولية إلى التنميط، و بالتالي تلجيم قدرات الفرد، و كبح طاقاته، و يمنع من إمكانية بناء الطوبى، التي هي وقود الحياة "إن لم يكتب للارض ان تكون جنة ولو تخيلا فل تكن جحيما إذن".

إن استمرار محترفي السياسة في مقاربة واقع اليوم، وفق منطق بال أكل الدهر عليه و شرب، ينفر المواطن من السياسة، مما قد يسهم في تفشي اليأس، الذي يشكل أرضية خصبة للتطرف بنوعيه الظلامي المتشدد أو الرأسمالي المتوحش. إذا كان ما قلناه صيحة في واد، فإنها قد تذهب بالأوتاد.