ما بعد 25 نونبر أو الغضب القادم حميد باجو بمناسبة زيارة قمت بها مؤخرا إلى بعض مدن وقرى الشمال، لم أصادف ولو شخصا واحدا يتحدث بإيجابية عن المشهد السياسي الحالي بالبلاد. فنزعة الشك تبقى هي السائدة بامتياز ولا أحد ينتظر حدوث تغير ما. ذلك هو الصوت الوحيد الذي سمعته قادما من المغرب العميق، والذي به تقاس فعلا حرارة الجسد المغربي. وبالتأكيد أن يكون لذلك آجلا أو عاجلا، صداه الواضح عند النخبة السياسية في المركز. فهل هذا يعني أن المغرب، وبالرغم من النوايا الحسنة التي تم التعبير عنها، وعلى رأسها ما ورد في الخطاب الملكي ل9 مارس، قد فشل في الاستجابة لمطالب حركة 20 فبراير  وتحقيق ما سمي بالاستثناء المغربي؟ ألم تكن كل تلك الإجراءات التي اتخذتها الدولة لاحتواء الحراك الشعبي، مجرد هروب إلى الأمام وتأجيل لحظة المواجهة الحقيقية؟ فهل ستنفع مثلا تلك الزيادة الأخيرة في الأجور في تحييد النقابات وإبعادها عن حركة 20 فبراير، أم أن ذلك لن ينتج عنه سوى فتح الباب واسعا أمام فئات أخرى كثيرة من المنقبين وغير المنقبين لرفع سقف مطالبها والدخول في دوامة من الإضرابات والاحتجاجات ستقف الحكومة القادمة عاجزة أمامها  خاصة في ظل العجز المتفاقم الذي ينتظر الميزانية؟ وهل كان من الصواب أن تلجأ وزارة التعليم إلى التساهل مع نسبة النجاح في الباكالوريا، فتدفع بأفواج كبيرة من الناجحين نحو وضع غير متحكم فيه، مما ينذر بدخول الجامعات والمعاهد العليا  هذه السنة في حالة توتر قد تتجاوز كل ما شاهدناه في السنوات الأخيرة؟ وهل فكر المسؤولون في عواقب تلك السياسة المتساهلة التي واجهوا بها العديد من الفئات الشعبية، حتى صارت هيبة الدولة لا تساوي شيئا؟ ذلك ما حصل مثلا مع الباعة المتجولين الذين أصبحوا يحتلون جل الشوارع الرئيسية في المدن المغربية. وذلك ما وقفت عليه أيضا مثلا من مسقط رأسي بتاونات، في التراجع عن محاربة زراعة الكيف وضرب كل ما سبق وأن تحقق في هذا المجال ، ليعود الوضع إلى أسوأ مما كان عليه في أي وقت مضى. وأخيرا هل سيبقى  من معنى لتلك التوافقات التي عقدتها الدولة مع بعض القيادات الحزبية أو النقابية،  بهدف تزكية  الدستور الحالي  في مقابل الوعد  بفتح صفحة جديدة في مسار الانتقال الديمقراطي ببلادنا، أم ننتظر أن تبدأ مرحلة من الغضب  ومن المطالبة بالحساب من طرف قواعد هذه التنظيمات  ضد قياداتها وإعادة النظر فيما توافقوا عليه؟ لقد سبق وأن صدقنا مثلا في الاتحاد الاشتراكي، أن إقرار الدستور الجديد، ورغم نواقصه بالمقارنة مع المعايير الكونية في هذا المجال، قد يكون هو المدخل لبعث الروح من جديد في حلمنا نحو الانتقال الديمقراطي المجهض منذ إقالة عبد الرحمان اليوسفي. غير أن الصدمة كانت قوية بعدما لاحظناه من عودة للدولة المغربية إلى وجهها الحقيقي بمناسبة حملة التعبئة للاستفتاء. تجلى ذلك في الدعوة الملكية نفسها للتصويت بنعم على الدستور، وفي إقحام الزوايا ورجال الدين، وعودة أعوان الداخلية وشبكات الأعيان ورموز المخزن القديم إلى الساحة، ثم التدخل الفج لأجهزة الداخلية لتغيير نتائج التصويت وتزوير المحاضر كما استقينا ذلك من شهادات عدد من مسؤولي مكاتب الاقتراع أنفسهم. ثم تأتي أخيرا هذه المهزلة التي نتفرج حاليا لترتيب الانتخابات المقبلة، وكيف أن الجميع أصبح ليس فقط متشككا ولكن متأكدا من كارثية النتائج التي ستسفر عنها، سواء بتزايد نسبة العزوف عن التصويت، أو عودة نفس الوجوه السابقة إلى مواقعها والتحكم المسبق في خارطة النتائج عبر التقطيع الانتخابي  وتوزيع بعض حصص الريع السياسي كما في نموذج ما يسمى باللائحة الوطنية للشباب. فماذا يعني أن تعجز الدولة عن ترجمة نواياها حول الإصلاح على أرض الواقع، أو بالضبط  من الذي يحكم المغرب حقيقة، هل لوبيات المخزن أم المؤسسة الملكية؟ وهل سنفشل مرة أخرى في الوصول إلى ذلك الهدف الذي طالما ناضلت من أجله الحركة الاتحادية وقوى اليسار الديمقراطي، للفصل بين الطرفين وتحرير الملكية من قبضة رموز العهد القديم أو ما سميناه بالملكية البرلمانية؟ كيف نبقي لهذا الشعار الأخير مصداقيته في أعين المواطنين، إذا كانت حتى التوجيهات الملكية لا تجد من يبالي بها داخل أجهزة الدولة؟ وكيف سيمكن لنا كيساريين ديمقراطيين، أن نستمر في إقناع حركة 20 فبراير بالوقوف عند سقف مطالبها الحالي وعدم الانزلاق نحو شعارات التطرف، إذا لم تكن أي من المؤشرات القادمة من الجهة الأخرى تطمئننا على هذا الموقف؟ فقد لا نصل نحن مثلا في الاتحاد الاشتراكي، باعتبار الثقافة الاتحادية والمدرسة البوعبيدية التي تربينا في أحضانها، إلى حد الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات وممارسة سياسة المقعد الفارغ. ولكن كيف سنستطيع إقناع أنفسنا قبل إقناع الآخرين، بجدوى المشاركة في العملية السياسية الراهنة والذهاب إلى صناديق الاقتراع إذا كانت كل الأجوبة التي نتلقاها تدفعنا إلى فعل العكس؟ أليس الخيار الوحيد المتبقي أمامنا في هذه الحالة، للرد على الاستهتار الذي تمارسه الدولة، ليس غير النزول إلى الشارع للاحتجاج مع حركة 20 فبراير ومع كل الحركات الاحتجاجية الأخرى، بل وحتى معاقبة قيادتنا إن هي بقيت متواطئة وساكتة عما يحدث في البلاد؟ إن كل المؤشرات الآن، إنما تنبأ بإمكانية انفجار موجة عارمة من الغضب الشعبي في الشهور والأسابيع القادمة، وأن شرائح عديدة من المجتمع المغربي قد تخرج غدا للاحتجاج والتظاهر بعد أن تحررت من عقدة الخوف، ومن ذلك العديد من الفئات التي سبق أن وظفتها الدولة نفسها أو تغاضت عن ممارساتها اللاقانونية،  بهدف ضرب وعزل حركة 20 فبراير. فقد ننتظر مثلا أن تنظم فئات الباعة المتجولين لهذا الحراك ويكثر البوعزيزيون وسطهم، بعد أن تحاول الدولة الحد من انتشارهم في شوارع مدننا، وأن يلتحق كل من كانت لديهم أوهام حول الانتخابات أو تم حرمانهم من الترشيح أو أسقطتهم صناديق الاقتراع …   وستتخرج بالتأكيد العشرات من القرى ومن سكان الأحياء والمناطق المهمشة للمطالبة بنصيبهم  من الخدمات العمومية وحقهم في العيش الكريم، وأن تنفجر موجة من الإضرابات في الكثير من القطاعات المهنية …  وقد تلعب حركة 20 فبراير دورا مركزيا في تأطير هذا الحراك إن هي أجادت الصنع، وإلا ستنتشر التعبيرات الاحتجاجية العشوائية وغير المؤطرة، مع ما قد يترتب عن ذلك من مخاطر الانزلاقات في هذا الاتجاه أو ذاك، مثل ما شاهدناه مؤخرا في منطقة الريف أو في الداخلة. ومن المتوقع بالخصوص، أن تنفجر الخلافات داخل عدد من الإطارات الحزبية والنقابية  التي ستعجز عن مسايرة هذا الوضع الجديد، والدفع في اتجاه إعادة تشكيل الخارطة الحزبية والنقابية بما يدعم ويساهم في تغذية هذه الحركات الاحتجاجية. وفي هذا الخضم سيبقى الرهان بالنسبة إلينا كيساريين ديمقراطيين، كيف سنستطيع ربح المعادلة ما بين الحد من سطوة المخزن من جهة، والوقوف ضد انتشار النزعات الراديكالية الدينية منها أو الانفصالية أو العرقية، من جهة أخرى.