حميد زيد ـ كود//
لم يكن الراحل أحمد حرزني يحمل معه أينما حل وارتحل الظلم الذي تعرض له.
لم يكن يوظفه.
لم يكن مصرا على أن يلزق به لقب المعتقل السابق.
لم يكن شكّاء.
لم يكن يُكِنُّ أي حقد للدولة.
وهو حقد طبيعي. ومفهوم. وله ما يبرره. ويشعر به معظم الذين عانوا من سنوات الرصاص. ومن السجن. ومن الاعتقال السياسي.
لكنه لم يكن كذلك.
ولم يكن عالقا في الماضي. وفي رغبة الانتقام. وفي الإساءة. وفي الفضح.
رغم الاثنتي عشرة سنة التي قضاها في الزنزانة.
لم يكن ملاكا كما قال مرة عن نفسه.
وقد كانت للرفاق أخطاؤهم كما كانت للدولة أخطاؤها.
لكنه لم يكن يحملها كل المسؤولية كما فعل كثيرون.
كان يعتبر أنها هي الأخرى كانت تشعر بالخطر الذي يتهددها. من هذا اليسار الثوري. ومن محاولات الانقلاب.
وكان الذي يملك القدرة على ممارسة العنف ويحتكره. يمارس سلطته على من يروج لخطاب العنف.
كان لا يتردد في الدفاع عن نفسه. وفي إطلاق يده.
كان منتقدا لنفسه.
كان ضد ممارسة العنف. وترويج خطاب العنف. مهما كان الطرف الذي يقوم بذلك.
وقد كان هناك ضحايا بالجملة. و كانت هناك أحقاد. من الصعب التخلص منها.
وكانت هناك ندوب. وجراح عميقة.
ثم كان هناك عهد جديد.
ومغرب جديد.
وملك جديد.
وشعارات جديدة.
فكان الراحل أحمد حرزني واحدا من الذين ساهموا في المصالحة مع الماضي. وفي جبر الضرر. وفي الانتقال إلى مغرب آخر.
مغرب يقطع مع أساليبه القديمة. ويعترف بأخطائه. وبتجاوزاته.
كان حاضرا في المشهد.
كان فاعلا.
كان الشخص الأجدر بأن يكمل ما قام به الراحل إدريس بنزكري. على رأس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان.
كان مثله قد تعرض لهجوم من رفاق الأمس.
كان في كل حالاته في “خدمة الشعب”.
كان ماويا في مؤسسة حقوقية رسمية تابعة للدولة.
كان منفتحا على الجميع. وعلى الإسلام السياسي. وعلى كل التيارات.
كانت له نظرته الخاصة إلى اليسار
كان ينظر إلى المختلف عنه بحب.
كان يجلس إليه. و يحاوره. ويستمع إليه.
كان لا يرى المحافظة بنظرة اليساري الضيقة.
كان لا يرى ديمقراطية إلا بإشراك المختلف عنك. وبالاقتراب منه. وبالتوافق معه.
كانت له أفكاره التي كان يدافع عنها. ويؤمن بها.
كان له أصدقاء في كل التيارات السياسية.
كان متاحا.
وحاضرا في كل النقاشات.
كان لا يتردد في تلبية الدعوة. وقريبا من الناس. ومستمعا لهم.
كان بسيطا. ومتواضعا. ومثقفا. وقارئا نهما. وهادئا.
كان دائما مع الحرية
ومع الديمقراطية
ومع العدالة
وقد ضحى الراحل أحمد حرزني بكثير من سنوات عمره من أجل هذه القيم.
ومن أجل مغرب تحترم فيه حقوق الإنسان
ولا يسجن فيه مغربي بسبب آرائه.
ومواقفه السياسة.
ولا تكريم الآن لأحمد حرزني. ولا إخلاص لروحه.
ولا تقدير منا له.
إلا بعدم العودة إلى الوراء.
وبالحرص على أن لا يتراجع المغرب إلى الخلف.
وأن لا نعود إلى نفس ممارسات الماضي.
وأن لا نضيق على الناس
وعلى الصحافة
وعلى الرأي.
وأن يكون المغرب متقدما. وحرا. وديمقراطيا. تحترم فيه كرامة الإنسان.
لأن هذا ما كان يسعى إليه أحمد حرزني
وما قضى عمره كله دفاعا عنه.
دون غل ولا حقد
ولا رغبة في الانتقام
ظل يعاني منها أشخاص آخرون عاشوا تقريبا نفس التجربة
لكنهم لحد الساعة مازالوا حبيسي
اعتقالهم
وماضي المغرب الأسود
ولا يرغبون في أن يتخلصوا منه. وفي الانتقال إلى مغرب آخر.
المغرب الذي كان يحلم به أحمد حرزني
مناضلا
ومسجونا لأكثر من عقد
ثم مسؤولا على رأس مؤسسة حقوقية رسمية.
المغرب الذي علينا أن نبْلغه
إخلاصا منا لإدريس بنزكري. ولأحمد حرزني. ولكل تلك الأسماء والشخصيات التي ضحت.
وآمنت بالعدالة الانتقالية
وبالإنصاف. وبالمصالحة. وبرغبة الدولة الصادقة في أن لا يتكرر ما حدث.