أحمد الطيب كود//

ليس الغرض من هذا الكلام مناقشة الدبلوماسية المغربية أو عرض إنجازاتها أو انتقاد ما يمكن أن يدخل في خانة العثرات. لأن الواقع ببساطة كما يعرفه أي متتبع للأحداث منذ سنوات 2013-2014 على الأقل يمكنه أن يدرك وجاهة اختيارات الملك محمد السادس وأهمية الحصيلة التي أنتجتها حتى الآن.

وهي اختيارات تتلخص ببساطة في التحرر من أي وصاية واضحة أو مستترة، وتعدد الشراكات والمغامرة باختراق آفاق كانت أهملت، ربما من أيام السعديين، في إفريقيا جنوب الصحراء العمق الاستراتيجي للمغرب.

لم تكن هذه الاختيارات خالية من مخاطر، ويسهل اليوم أن يربط بينها وبين الأزمات التي عاشتها علاقات بلادنا مع الأوساط الاستعمارية الجديدة في فرنسا واسبانيا…

لكن بلادنا نجحت في الخروج من هذا التحول الكبير بأقل الخسائر والكثير من المكاسب، وخصوصا بصورة دولة ذات مصداقية.

ليس الغرض أيضا التقليل من دور وزراء الخارجية، وخصوصا ناصر بوريطة، في ما تحقق.

لكن هناك سؤالا محيرا فعلا: كيف يمكن أن تنجح الدبلوماسية المغربية، والوزير جزء أساسي فيها، في أن تحقق كل ما تحقق لصالح الوحدة الترابية لبلادنا بينما يعجز هذا الوزير عن مجرد تنظيم ندوة صحافية دون إهانة الصحافيين المغاربة والأجانب؟

مناسبة هذا الكلام هو الفضيحة التي اقترفت في مقر وزارة الخارجية يوم الثلاثاء حين دعي عشرات الصحافيين من مؤسسات وطنية ودولية لتغطية “تصريح مهم” سيلقيه شخص مجهول.

نعم تجرأ المنظمون على دعوة الصحافيين للقاء شخص مجهول.

ولم يكتفوا بذلك بل أصروا على تشويه صورة الوزارة، ومن خلالها صورة الدبلوماسية المغربية، بنشر الصحافيات والصحافيين حوالي 5 ساعات على موعد الدعوة.. دون أدنى اعتذار.

تخيلوا ماذا سيقول الصحافيون الأجانب الذين كانوا ضمن المنشورين عن بلادنا بعد هذه الفضيحة، خصوصا وأن الجميع سيكتشف في النهاية أن الأمر يتعلق بتصريح صحافي لمسؤول في حزب جنوب إفريقي سبق أن أعلنه رسميا قبل أيام.

يعني لا جديد، وبالتالي لا خبر.

ليس سهلا أن يخترق المغرب جزء من النخبة السياسية في جنوب إفريقيا، ويقنع الرئيس السابق لهذا البلد جاكوب زوما بأن الوحدة الترابية لبلادنا لا تتناقض مع حق ما يسمى “الشعب الصحراوي” في تدبير شؤونه ضمن نظام حكم ذاتي.

لنغض النظر عن أن استقبال وزير خارجية زعيم حزب معارض بدعة غريبة (كأن لا حزب سياسي في المغرب يمكنه دعوته أو أن البرلمان عاجز عن ذلك).

ونصفق لكافة النساء والرجال الذين عملوا لتحقيق هذا الاختراق الدبلوماسي.

ثم نتساءل مستغربين، كيف يمكن تحقيق الأصعب والفشل في مجرد تنظيم ندوة صحافية؟ وهو سؤال محير فعلا.

بعد كل الجهد، الذي قال زوما نفسه إنه بدأ منذ لقائه الملك محمد السادس في 2017، يأتي السيد بوريطة ويضرب كل شيء في الصفر بالطريقة المهينة التي عامل بها الصحافيات والصحافيين مسجلا هدفا في مرماه، حيث تقريبا لم ينشر الخبر سوى في وسائل إعلام أجنبية قليلة، لأن القصة ببساطة قديمة وبالتالي لا يمكن الإخبار بها.

نتذكر كيف كان الوزير الأسبق الطيب الفاسي الفهري يجمع حوله الصحافيين عندما تكون هناك أحداث كبيرة ليشرح ويفسر ويجيب عن الأسئلة بكل تواضع ومسؤولية.

ونتفهم أن السياسة الإعلامية حاليا في المغرب هي الإملاء.

لكن الإملاء، إذا كان يصلح في بعض السياقات الداخلية، فإنه لا يمكن أن يقنع العالم بوجاهة موقفنا بل على العكس تماما يمكن أن يرتد علينا ويصورنا في صورة بلد غير مسؤول.