الرئيسية > آراء > لماذا لم أبد رأيي حول فيلم “جوكر”!
23/10/2019 16:30 آراء

لماذا لم أبد رأيي حول فيلم “جوكر”!

لماذا لم أبد رأيي حول فيلم “جوكر”!

حميد زيد-كود//

قد تأخرت.

تأخرت كثيرا في الكتابة عن الجوكر.

ولقد سبقني الجميع.

ولا أتحدث هنا عن بلال مرميد. لأنه معروف. ومختص. وسينيفيل. ويشاهد الأفلام قبل أن يرتد إليها طرفها.

وقبل أن يقول الفيلم “أنا فيلم “يتفرج فيه. ودائما في عرضه ما قبل الأول. ودائما يسافر إليه في المهرجانات.

ثم يعود إلينا وقد شاهده.

بل أتحدث عن زملائي. وعن كل الناس. وعن كل من أعرفهم في الفيسبوك.

وحتى آمنة ماء العينين أدلت بدلوها. وحللته. وأبدت إعجابها به. وبخطورة الممثل.

وحتى الإخوان في العدالة والتنمية.

وربما شاهده عبد الإله بنكيران بدوره. وربما شاهده أفتاتي. وشباط. وإلياس العمري. وادريس لشكر.

إلا أنا.

ولا أدري لحد اللحظة هل تفرجت فيه أم لم أفعل ذلك.

وهل هو. أم ليس.

وكي أكون صريحا فقد تفرجت فيه مغبشا ومضببا.

وبأسوأ جودة يمكنكم أن تتخيلوها. وهي التي يسميها جمهور الأفلام في الأنترنت جودة “الكام”.

وهي الجودة التي تسمع فيها صوت المتفرجين في قاعة السينما.

وتسمع ضحكاتهم. ووشوشاتهم. وترى رؤوسهم بين الفينة والأخرى. وترى رأسا يغطي على الفيلم.

كأنك معهم.

وكأنهم معك بالأحرى.

كأنك في السينما وخارجها في الآن نفسه. وفي الداخل وفي الخارج. وفي البين بين. وكأنك تشاهد فيلما ولا تشاهده. وكأنك حي وميت.

وقد كان بإمكاني أن أخدع القراء. وأحكي لهم بدوري عن الفيلم. وعن عظمته. وعن رسائله، لكني تراجعت في آخر لحظة.

لأني في الحقيقة لم أشاهد أي شيء.

فبالكاد كان يظهر لي الجوكر كما لو أن الذي صوره مخرج أعراس مغربية في ثمانينيات القرن الماضي.

وكما لو أن الجوكر في كاسيت فيديو مستنسخة. ومسجلة من كاسيت فيديو. واكتراها قبلي ملايين المتفرجين.

وما جعلني أتاخر في الكتابة عن الفيلم. وأتردد في تحليله. هو أني لم أعرف بأي لغة تفرجت فيه حقيقة.

فقد كنت أسمعهم يتكلمون.

وأي شخص متعود على مشاهدة الأفلام بجودة الكاميرا الرديئة. سيفهم ما أقول.

وسيعرف عن أي لغة أتكلم.

إنها لغة ولا لغة في الآن نفسه. مجرد أصوات. همهمات اللغة الأولى. قبل أن تظهر اللغة.

حين كان الإنسان يعوي.

وكما لو أن كل الممثلين في قعر بئر عميقة. وكما لو أنهم في هاوية سحيقة.

وما جعلني أخجل من نفسي أكثر. أنه ومع الجوكر.  ظهر نوع من النقاد يحرمون علينا أن نتفرج فيها مدبلجا إلى الفرنسية.

وأي شخص فعل هذه الفعلة.

ومن ضبط يتفرج فيه بالفرنسية يحتقرونه ويقللون من شأنه ويضعونه في خانة من لم يتفرج.

ويجعلون حياته مثل موته. ويجزمون أنه لا يستحق العيش في هذا العالم.

وأن مصيره جهنم سيكون.

فما بالكم بمن تفرج فيه بفرنسية ليست بالفرنسية. فرنسية بعيدة. وقادمة من كهف.

فرنسية لا تسمعها. ولا تفهما. ولا تميز هل هي فرنسية أم إنجليزية أم لغة الجرذان تحت الأرض.

ولذلك فكل ما قرأته عن الجوكر. وعن الظلم. وعن الاحتقار. وعن الاضطراب النفسي. وعن الانتقام. وعن الشعب. لم أره.

ولم أر رقصته في الدرج. وفي المسرح. وفي البرنامج.

بل بالأحرى رأيته بعيدا. وغامضا. ومضببا. ولا أعرف هل كان يرقص أم يعرول أم يمشي أم يركض.

كأني كنت  أشاهد سينما مؤلف.

كأني كنت أعذب نفسي بفيلم أندرغراوند.

كأني متفرج عميق. وكأني أعمى يتفرج في فيلم.

وهذا ما جعلني مميزا عن المتفرج الذي شاهده بجودة عالية.

حيث لدي جوكري الخاص. جوكر مفتوح على كل التأويلات.

بينم الجوكر. وحسب ما سمعت. فقد كان واضحا.

أما ما ضبطته.

أما ما أتذكره. أما ما علق في ذهني. وأثر علي. فهي قهقته. هي تلك الضحكة الضاجة. والمجنونة. والمفزعة.

وهي الوحيدة التي لم تؤثر عليها رداءة الجودة. ولم يؤثر عليها غموض اللغة.

كانت قهقة كونية.

كانت مفهومة.

كانت بكل اللغات.

وهي التي سأخصص لها مقالا تحليليا خاصا بها.

وهي التي شاهدتها.

أما الفيلم. أما الجوكر الذي تتحدثون عنه جميعا.

فقد رأيته وما رأيته.

ومجاراة لكم

وخضوعا للجديد. وكي لا أبقى خارج التغطية. تفرجت فيه.

وحملقت في الجوكر.

وربما هو. وربما ليس.

وهذا هو الفن. وهذه هي السينما. إنها حقل مفتوح على كل التأويلات.

ولكل إنسان جوكره الخاص.

وأنا لي جوكري.

والحقيقة نسبية. والخير ليس خيرا بالمطلق. والشر ليش شرا. ولا للمانوية.

وقد شاهدت فيلم مصورا عن فيلم

ودخلت إلى سينما في سينما. وإلى المتاهة. وضعت.

شاهدت نسخة النسخ.

شاهدت ما لا يمكن لشخص سوي أن يشاهده

وعموما كان فيلم رائعا.

لم أر مثله من قبل.

وقد أبهرني كما أبهركم. بل أكثر. أكثر بكثير. لأني صرت معه فيلما ثانيا.  صرت مضطهدا. ومضطربا. وأنا الآن أقهقه. وأبكي. وأضحك. ولا أدري. وهل توجد السينما في الكومبيوتر. أم الكومبيوتر في السينما.

وهل يمكننا الذهاب إلى الهاتف.

وهل العودة منه وشيكة.

وإلى أين. وهل إلى الشاشة. أم إلى الحياة. وهل الجديد هو القديم. وهل يجب أن نسرع كي نشاهد فيلما. ونتسابق.

وغيرها من الأسئلة التي لا تحتاج إلى جواب.

ولا إلى أن تطرح.

 

موضوعات أخرى