هل قدمت الأجهزة العمومية استقالتها عن تدبير شؤون الدارالبيضاء؟ هل يعقل أن تبقى السلطات تتفرج على التراجيديا التي يصلى بنارها المواطن بالدارالبيضاء كل يوم دون أن تتحرك لحل مشكل المرور؟
هذه هي الأسئلة التي تشغل بال البيضاويين الذين سئموا انتظارية المسؤولين وأضحى الأمل في إقدام حكومة 25 نونبر
« على إحداث خلخلة مؤسساتية باقتراح منصب «وزير خاص بالدارالبيضاء
ألف سيارة خاصة950
سيارة للنقل المدرسي1400
ألف دراجة نارية200
ألف شاحنة ذات الوزن الثقيل25
حافلة لنقل المسافرين1400
حافلة لنقل المستخدمين 700
سيارة ديبناج 400
ألف سيارة طاكسي (كبير وصغير) 15
سيارة أجرة قروية 1550
قطارا250
هذه هي وسائل النقل التي تتحرك يوميا بشوارع الدار البيضاء كقنابل تنفجر بصمت بسبب الاختناقات المرورية الرهيبة التي لم يسلم منها أي حي، ولا أية عمالة بجهة الدار البيضاء، علما أن هذا العدد الهائل من السيارات والشاحنات لاتناسبه بنية طرقية أو تجهيزات ملائمة تخفف عبء التنقل من جهة، وتساعد على ضمان انسياب حركة المرور من جهة ثانية. بدليل أن الوثيقة المرجعية لدراسة مخطط التنقلات الحضرية الصادرة عن جهة الدار البيضاء تكشف عن رقم صادم يكمن في أن الطريق السيار الحضري مثلا لاتتجاوز قدرة تحمله الممكنة 8 آلاف سيارة في اليوم في حين نجد هذه الطريق تتحمل مرور 130 ألف سيارة يوميا! (أنظر ص 4 وص 17 من التقرير التركيبي لخلاصة الدراسة المسلمة للجهة.)
رقم كارثي آخر تكشفه الدراسة، ويتجلى في أن نسبة ما يرصد للصيانة وتهيئة الطرقات لا تتعدى 0.5 في المائة من الحجم المالي المستثمر (ص 7 من التقرير)، علما أن المواطن البيضاوي يتحمل مصاريف باهظة للتنقل بالجهة، حددته الدراسة في 14.5 مليار درهم سنويا.
فالمواطن البيضاوي الذي يرغب في قطع مسافة 5 كلم بين حي شريفة وحي المستشفيات مثلا يضطر إلى تخصيص 45 دقيقة من وقته وأحيانا يضطر إلى قطعها في ساعة. نفس الشيء بالنسبة للمرء القاطن بعين السبع ويريد الذهاب إلى حي مولاي رشيد، أو ذاك القاطن بالعنق ويشتغل في الحي الصناعي ليساسفة، وهكذا دواليك مع ما يترتب عن ذلك من إرهاق وتوتر للأعصاب ومضيعة للوقت واحتقار للبيضاويين الذين ينتجون ثروة المغرب، إذ أن كل درهم عمومي يستثمر في البلاد يكون نصفه مصدره الضرائب التي تُجبى بفضل ما ينتجه مليون و200 ألف شخص من ثروة بالبيضاء في مختلف القطاعات (خاصة الصناعية والخدماتية).
طبعا، لايعني هذا أن يتم حصر 50 في المائة من الثروة الوطنية المنتجة في الدار البيضاء في هذه المدينة. فهذا طرح ساذج، لكن إبراز هذه الأرقام موازاة مع الفواجع التي يعيشها البيضاوي في التنقل تبرز أن هناك خللا ما في نظام الحكامة، علما أن استحضار ما يجري من حولنا في العالم يبين إلى أي حد يمسك الفاعل السياسي المركزي بملف المدن الكبرى، ويدرجها كأولوية الأولويات في برنامجه الانتخابي (البرلماني أو الرئاسي حسب الأنظمة السياسية). ولنا في النموذج البريطاني والإسباني والفرنسي خير مثال على ذلك، لدرجة أن ساركوزي وفى بوعده حينما كان يتبارى للظفر بمنصب الرئيس عام 2007، وذلك بتعيينه وزيرا خاصا بمدينة باريس الكبرى نظرا للرهانات التي تمثلها هذه الجهة بالنسبة لقوة فرنسا.
نحن لا نطمح إلى أن يكون هناك وزير خاص بالدار البيضاء في الحكومة المقبلة (ولو أن هذا الطموح مشروع لأنه وزير سيتولى تدبير شؤون مدينة تنتج نصف ثروة البلاد بينما كوماندو الوزراء الباقين سيتولى بشكل جماعي تدبير باقي التراب الوطني) ولكن المؤلم هو أن المغرب يعيش اليوم لحظة انتخابية بارزة، ومع ذلك لا يحضر الحصار المفروض على الدار البيضاء في أجندة المرشحين من مختلف الألوان السياسية. ولم نسمع أن حزبا قدم تصوره للنهوض بهذه الحاضرة وتسطير الإجراءات المستعجلة الآنية وعلى المدى المتوسط، لفك الحصار المضروب على مليون سائق تقريبا يعانون كل يوم في طرقات وشوارع الدار البيضاء بسبب الاختناق في كل الشوارع وكل الأحياء.
نعم، الولاية البرلمانية القادمة (2016-2011) ستكون ولاية البناء المؤسساتي، وسيكون البرلمان المقبل منشغلا بالأساس بتتمة الهندسة الدستورية للبلاد بحكم أنه مطالب-حسب الدستور- بالبت داخل أجل 5 سنوات في القوانين التنظيمية (20 نصا) والبت في تقارير عشرات مؤسسات الحكامة(المجلس الوطني لحقوق الانسان، الوسيط، مجلس المنافسة إلخ..). لكن ذلك لا يُسقط المسؤولية السياسية عن الأحزاب التي تتبارى للظفر بأصوات الناخبين في اقتراع 25 نونبر 2011، على اعتبار أن الدار البيضاء لوحدها تمثل 34 مقعدا برلمانيا، وهو ما لا نجده في أي منطقة بالبلاد، إن باعتماد المعيار الترابي أو باعتبار المعيار الديمغرافي.
فالدار البيضاء لا تمثل بالكاد جغرافيا سوى 102 ألف هكتار(أي 100 كلم مربع)، في حين أن الأقاليم الصحراوية مجتمعة تمثل 400 ألف كلم مربع تقريبا (حوالي 42 في المائة من مساحة المغرب)، ومع ذلك فهذه المنطقة الشاسعة ترابيا (10 أقاليم صحراوية) لم يخصص لها المشرع سوى 21 مقعدا. أما إذا اعتمدنا المعيار الديمغرافي، فإن المدينة المليونية الثانية بعد البيضاء هي حاضرة سلا، ورغم كثافتها الديمغرافية، فإن المشرع لم يخصص لسكان سلا سوى 7 مقاعد. وهذه المقارنة تبين إلى أي حد قيمة الرهان المطروح بالبيضاء المفروض أن تعكسه سجالات البرلمانيين وأحزابهم في هذه المحطة الانتخابية المهمة التي يمكن اعتبارها المحطة المؤسسة للتمرين الديمقراطي على إدارة شؤون البلاد، والمحطة المؤسسة للعقل البرلماني والعقل الحكومي والعقل الترابي والعقل الأمني لما بعد 25 نونبر حتى يكون هذا العقل، العقل العام للدولة، عاقلا وناضجا ورحيما بمشاكل البيضاء التي يعتبر حلها أحد أهم المداخل لتطويق مشاكل المغرب. فهل ستكون حكومة 25 نونبر (أيا كان لونها السياسي) في مستوى التحدي أم ستكون أسوأ من ما سبقها؟
سؤال قد يجيب عنه الناخب بالحجارة بدل أوراق التصويت في حالة حدوت النكسة…
العدد 449
الخميس 24 نونبر2011