الرئيسية > آراء > لغات التدريس والعـلوم: المغربية والأمازيغية
05/04/2019 12:50 آراء

لغات التدريس والعـلوم: المغربية والأمازيغية

لغات التدريس والعـلوم: المغربية والأمازيغية

د. مراد علمي//

إذا تكلمنا وكتبنا وابتكرنا وطالبنا باللغة المغربية والأمازيغية كلغات التدريس والعلوم للمملكة المغربية فهذا حق مشروع كالهواء الذي نتنفسه في هذا البلد الطيب، وحتى إذا اختاروا الدعاة المتعصبين والسياسيين  المحافظين المنتمين لحزب العدالة والتنمية والإستقلالومن يدور في فلكهم لأحادية اللغة العربية على حساب اللغات الحية الإثنين من القرآن الكريم ذريعة، وتوهموا أن هذه حجة لهم، ولكن بالعكس هي حجة عليهم، فهذا الدليل سوف لا يفيدهم في شيء، لأن في أول الأمر العقيدة ليس لها أي علاقة باللغة، لأن السنغالي أو التركي أو الماليزي المسلم المنضبط والمتدين الخشوع ليس أقل عقيدة من السعودي أو المصري أو المغربي، بالفعل حصل الشرف للغة  العربية لما أنزل القرآن بلسانها، ولكن لا يصح تقديس اللغة، لأنها أداة من الأدوات الكونية فقط وكان اختيارها وليد صدفة ربانية، علاوة عن هذا لا نعرف لغة الخالق، والله وحده هو أعلم، لذا هي لغة من اللغات وحتى بعض الآيات القرآنية تضع أصابعها على مكن هذا الطرح؛ حيث قال الله عز وجل في سورة السبأ، آية 28: “وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرة ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون”، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه ما كان هو ولغته إلا أداة سعيا إلى نشر رسالة الله بأمانة، نظرا للخصائص الحميدة التي توفرت فيه والنموذج الطيب الذي كان يتحلى به، وإذا قدسنا اللغة العربية، يجب تقديس الملحد كذلك إذا استعمل اللغة العربية وتلا علينا البعض من القرآن الكريم، اللغة العربية أداة فقط وسبيقة القرآن، إلا وكانت مقدسة حتى في السابق، حين كان العرب في عصر الجاهلية يعبدون الأوثان، ويقومون بوأد البنات إذا لم ينجبن لهم أزواجهم أبناء، مع العلم أن الرجل هو صاحب الكلمة الأخيرة حسب المعلومات الطبية التي نتوفر عليها اليوم، ومن احتكر حقل المقدسات السالفة الذكر لأغراض سياسية إيديولوجية أو شخصية أو مصالح موكليه، فلكان خطابه فاشلا بالإدعاء بامتلاكه الحقيقة الوحيدة.

سوف لا ننتج ونثقل كاهل خزانة الدولة إذا لمن نكن صريحين مع أنفسنا ومع أجيالنا القادمة، لغات المستقبل والعلوم هما اللغات الحية: المغربية والأمازيغية، ليس العربية، هكذا سنتمكن من كبح الهدر المدرسي، كل سنة أكثر من 250000، ونستغل جميع طاقاتنا ومواهبنا بغية التحديث والإبتكار والإنتاج العلمي والفكري حتى يدخل المغرب نادي الدول المصنعة والمتقدمة والتاريخ من بابه الواسع، وحتى لا نجعل من المملكة المغربية فريسة وحقل لاستثمار الغير وترويج منتوجاته وأفكاره ومذهبه، أخلاقه، طقوسه وألبسته، ولأحسن دليل هي دويلة إستونيا التي يبلغ عدد سكانها 1،4 مليون نسمة، عدد سكان الرباط، ولكن دخل مواطنيها يفوق 20000  دولار بيد أن دخل المغربي لا يتجاوز 3000  دولار، هكذا يمكن لنا أن نقوم بمقارنة هادفة وندرك اجتهاد هذا وذاك وخمول الآخر، المدرسة الناجحة والمدرسة الفاشلة، حيث أن لغة التدريس والعلوم هي اللغة الحية الأستونية التي لا يتكلم بها أحد آخر في العالم، من غير هذه الدويلة، بالرغم من قلة أعداد السكان استطاعوا علماؤها بلغتهمالحية أن يخترعوا “سكايب”، وماذا اخترعنا نحن ولا العرب لفائدة شعوبنا ولفائدة العالم بأسره؟ فلنكن موضوعيين ونتخلى عن الأحلام العذبة والوهم وتضليل الرأي العام وتهميش وتغييب شعب برمته.

لم ننتج ولم نبتكر ولم نتقدم ولم نخلق فرص الشغل لشبابنا المعطل والمشرد، إذا لم نصارح أنفسنا ولم نقم بإشراك جميع شرائح المجتمع المغربي قصد تفعيل حقل الإنتاج الإقتصادي، الفكري والعلمي بلغاتنا الحية الإثنين: المغربية والأمازيغية، لأن جميع الدول المتقدمة تستعمل لغاتها الحية، حيث نجحت لما طوعت علوم الآخر ودمجتها في ثقافتها وحضارتها وعلومها، ويجدر الذكر في هذا السياق أن الصين، بالأخص اليابان تمكنت من استيعاب وتطويع العلم الغربي لصالح اقتصادها وحضارتها وثقافتها لما قامت بترجمة أكثر من 200000 مؤلف بعد الحرب العالمية الثانية، تركيا، 70 مليون نسمة، مثلا تترجم اليوم أكثر من 1500 عنوان في السنة، والدول العربية وشمال إفريقيا كلها، أكثر من 350 مليون نسمة، لا تترجم أكثر من 1000 عنوان في السنة، أما الدول العظمى ومواطنيها يعيشون في كوكب آخر وتفصلهم عنا مئات السنوات الضوئية، مفتاح نجاحاتهم، إختراعاتهم، تفوقهم؟ اللغة المحلية الحية!

مثلا ألمانيا المهزومة والمحطمة بعد الحرب العالمية الثانية تنتج اليوم كل سنة أكثر من 90000 عنوان، ليس كتاب، ولكن عنوان، لأنه يمكن الطبع من عنوان واحد الملايين من النسخ، وتتوفر على أكثر من 16000 دار للنشر، صغيرة، متوسطة وكبيرة، بيد أن إنتاجنا الفكري لا يتجاوز 1200 عنوان في السنة، وجلها كتب مدرسية وليست علمية أو أدبية، وعدد دور النشر لا تتجاوز 40، وأغلبها مهددة بالإفلاس، فإذا لم تكن لنا مراجع سهلة وفي متناول 36 مليون نسمة وليس نخبة ضئيلة لا تتجاوز 300000 شخص، فكيف يمكن لنا أو نتقدم ونكون دولة مصنعـة ومبتكرة كبعض الدول الإسلامية التي نجحت في مشروعها المجتمعي كتركيا أو ماليزيا واللتان تستعملان لغتان محليتان حية كأداة للترقية وخلق فرص الشغل، ولو استعملت لا تركيا ولا ماليزيا الحروف اللاتينية، أين هو المشكل؟ بالنسبة للصين، سنغافورا والتايوان نفس الشيء، حيث يستعملون لغة حية بجانب تلقين اللغة الإنجليزية قصد ترجمة المؤلفات العلمية إلى لغاتهم الحية، في الصين مثلا جل الجامعات تتوفر على مسالك خاصة بالترجمة بغية نقل الكتب العلمية إلى اللغة الصينية الحية، الصيني كيف يتكلم يكتب، في المغرب: “كولــّـشي بالمقلوب”، بالنسبة للتايوان كانت اللغة المحلية هي مفتاح التقدم، الازدهار والابتكار، في 1960 لم يتجاوز الدخل الخام لكل فرد أكثر من 160 دولار، نسبة ضئيلةبالنسبة للمغرب آنذاك، أما اليوم فهو يتراوح بين 30000 و35000 دولار والجواز مرغوب فيه في أكثر من 150 دولة.

إذا لا يعقل تغييب وتهميش شعب برمته بغية تلبية نزعة ومزاج أقلية فشلت أكثر من 60 سنة من تعريب الحقل  المدرسي، المعربون المتعصبون المتأسلمون والإيديولوجيون العروبيون إذا كانوا واثقون من أنفسهم فلا داعي لمحاربة شق مهم من شخصيتهم، من المحتمل أن مسار اللغة المغربية والأمازيغة كلغة تدريس وعلوم من الابتدائيإلى الجامعة لن يكون يسيرا، ولكن لا مفر منه، “أو التاريخ بيناتنا”، لأن بعد تحررنا الجسدي من بطش وتسلط ونفوذ المستعمر  الغاشم سيتلوه بسلاسة وبطريقة تلقائية وفطرية التحرر اللغوي، الفكري والروحي، ولو اتخذنا اللغة المغربية والأمازيغية كلغات للتدريس والعلوم ستشكل المملكة المغربية دوما جزء لا يتجزأ من الأمة العربية ـ الأمازيغية والإسلامية، ولكن بخصوصيتها المحلية العربية، الأمازيغية، اليهودية، الحسانية، الأندلسية والأفريقية.

 

 

موضوعات أخرى