حميد زيد – كود//

ما حققته لبؤات الأطلس يتجاوز الكرة.

ويتجاوز التأهل لكأس العالم.

ويتجاوز أي فوز.

فكل هدف تسجله واحدة منهن. كل تمريرة. كل مراوغة. كل مباراة. كل حضور للجمهور. كل جهد يبذلنه. كل طاقة. كل انتصار.

هو بمثابة ثورة.

هو بمثابة اختراق سياسي.

هو بمثابة انتزاع لحق للمرأة المغربية كانت محرومة منه.

هو بمثابة تقاسم لمدرجات الملعب بعد أن كانت حكرا على الرجل.

وللشارع.

و للفضاء العام. ولوسائل النقل. وللطريق. وللعب. وللحماس. وللحياة. ولليل. والنهار.

وقد يبدو لكم هذا الأمر سهلا. وبسيطا. وغير ذي قيمة.

قد يبدو لكم عاديا.

لكنها أول مرة تذهب فيها نساء المغرب بكثافة لتشجيع منتخبهن الوطني.

وقد تحول ذلك إلى موقف نضالي وسياسي.

وإلى التزام. وإلى واجب.

وهذه بداية فقط.

وما ناضل من أجله رجال ونساء. وما تأسست من أجله جمعيات. ومنظمات. وما ألفت من أجله كتب.

وما دافعت عنه أحزاب خلال عقود.

يتحقق اليوم على أرض الواقع بفضل غزلان الشباك. وروزيلا عيان. وسناء مسودي. وياسمين مرابط..وباقي نجمات المنتخب الوطني المغربي لكرة القدم.

دون احتقان.

ودون انقسام مجتمعي.

ودون مسيرات ومسيرات مضادة.

ودون تحكيم. ودون شعارات طنانة. ودون إيديولوجيات. ودون شد وجذب. ودون صراع بين تيارات متناقضة.

وباللعب فحسب.

وبتسجيل الأهداف على خصم في الملعب وخارجه.

خصم يرفض أن يرى هذا المغرب.

لذلك فما وقع هو أكبر وأهم من كل فوز ومن كل تأهل.

هو انتصار للمرأة المغربية.

هو انتصار لمغرب منفتح وحر وحداثي ولا يضيق على نصف المجتمع.

وفي وقت تنتشر فيه الصور النمطية على النساء في العالم العربي والإسلامي.

و تسيطر نظرة واحدة على وضع المرأة.

المرأة الخاضعة.

المرأة الممنوعة من اللعب. ومن العمل. ومن السباحة.

المرأة التي لا تبرح البيت.

تتألق هنا في المغرب لاعبات جميلات. ودون حجاب.

في رياضة يعتبرها الجمهور حكرا على الرجال.

وما يبدو لكم مجرد مشاركة مغربية في “كان” للسيدات.

هو في الحقيقة أكبر من ذلك.

هو ما يشبه ثورة هادئة على وضع ظالم للمرأة المغربية.

ثورة لا عنف فيها.

ولا تنظير.

ولا فرصة تمنحها لمن يحاول الوقوف في طريقها.

ثورة جعلت أشد خصومها يصفقون للاعبات المنتخب الوطني. ولكل نساء المغرب.

وهن يلعبن.

وهن يشجعن.

وهن يتوجهن مع أبنائهن وأزواجهن و أصدقائهن إلى مركب الأمير مولاي عبد الله.

و ليس مبالغة إن اعتبرنا ما تحقق حدثا غير مسبوق.

في مغرب يعاني من تقاليده. ومن ثقافته. ومن قواه الرجعية. ومن مجتمعه. ومن عنفه. ومن سلطته.

ومن محيطه العربي.

ومن نفسه.

ومن مخاوفه. ومن عقده المتراكمة.

وإلى غاية أمس لم يكن أحد يراهن على شيء اسمه كرة القدم النسائية.

ولم يكن أحد يدعمها.

وفجأة. صار لنا فريق وطني. سنشارك به في كأس العالم في أستراليا ونيوزيلاندا.

وصار لكرة القدم النسائية جمهور.

وصارت لها فرق. وبطولة. وعقود.

وصارت لها لاعبات مغربيات في بطولات أوربية.

وصار الأمر جديا ولا يمكن أبدا أن يحدث أي تراجع فيه.

لذلك لا تظنوا أن ما يحدث مجرد لعبة

ومجرد تأهل.

ومجرد مسابقة في كرة القدم.

لا.

لا.

ما حدث هو واحدة من أبرز الإنجازات التي تحققت في المغرب منذ استقلاله.

وهو جديد.

ولم يحدث من قبل.

و ذلك في رياضة جماعية

وشعبية

استطاعت أن تجعل الجمهور يملأ المقاهي لمتابعتها.

و لتشجيع اللاعبات.

وليس سرا أن أي بلاد لا يمكنها أن تلعب بنصف مجتمعها فقط.

ولا يمكنها أن تعمل بنصف مجتمعها.

ولا يمكنها أن تنتصر بنصف مجتمعها.

ولا يمكنها أن تشعر بالفخر.

على أمل أن لا يتراجع هذا اللعب الجميل

وأن لا نتوقف

وأن نستمر في دعم هذه الرياضة

وفي دعم الفرق.

كي لا نظل منبهرين بما رأيناه من اللاعبات ومن الجمهور.

وكي يصبح المشهد عاديا

ولا يثير الدهشة. ولا يثير الاستغراب.

ورغم ذلك

ومهما اعتقدنا أنها مجرد لعبة

ومجرد فوز

ومجرد تشجيع للنساء لبنات جلدتهن.

فإنه يتجاوز ذلك

ليكون حدثا سياسيا كبيرا وتغييرا غير مسبوق.

في وقت يسود فيه الجمود

و يغيب فيه أي دور للأحزاب

ونظن فيه أن المجتمع لا يتحرك ولا يتحرر. ولا يتجاوز سياسييه و أحزابه ونخبه وسلطته.

ولا يسجل الأهداف على خصومه.