حميد زيد -كود

—-

لم يعد الوطن انتماء ولا هوية ولا دما ولا جغرافيا ولا شعورا ولا علما ولا رعشة تصيبك وأنت تسمع نشيدا يتغنى به.

إنها سابقة في التاريخ، لقد صار الوطن يباع ويشترى، والذي حقق هذه المعجزة هي دولة قطر.
من دولة بحجم عقلة أصبع، أصبح المال الكثير، محددا للوطنية والانتماء إلى بلد دون غيره.
من يقدم لي أكبر عرض مالي، أنتمي إليه، هذا بالضبط ما تحقق لأول مرة وشاهده العالم أجمع في بطولة العالم لكرة اليد.
دولة تشتري حتى الوطنية، وتختار أبرز اللاعبين في العالم، وتنزع عنهم جنسيتهم، وتتأهل بهم إلى النهاية، مستغلة قانونا يسمح للاعبين الدوليين باللعب لمنتخب آخر، بعض مضي ثلاث سنوات على مشاركتهم مع منتخباتهم.
وهكذا صار زاركو ماركوفيتش من مونتينيغرو، والذي لعب مع بلده ثلاثين مباراة، قطريا.
وتحول حارس منتخب صربيا دانييل سارتش إلى حارس الفريق الوطني القطري لكرة اليد، إضافة إلى لاعبين من فرنسا وكوبا ومن تونس.
ولو كان نفس القانون المطبق في كرة اليد يطبق في كرة القدم، لاشترت قطر رونالدو وميسي وزلاتان ونيمار وتياغو سيلفا وبنعطية وكل اللاعبين الكبار، ليصبحوا قطريين، يلعبون تحت رايتها، من أجل الفوز بكأس العالم، التي ستنظم في هذه الدولة عام 2022.
لكن وكما يشتري المال الانتماء إلى الوطن، فبإمكانه تغيير القوانين، ولا نستبعد أن تستسلم الفيفا، التي منحت قطر شرف تنظيم المونديال، لإغراء المال، وتسمح للاعبين الدولين الأرجنتينيين والبرازيليين والألمان بتغيير أوطانهم واختيار الانتماء إلى المنتخب القطري العنابي.
تبدو رواية “خضوع” للكاتب الفرنسي لميشيل ويلبيك مفرطة في واقعيتها،أمام حدث تأهل دولة لا تاريخ لها في كرة اليد إلى نهائي بطولة العالم، وما اعتبره البعض تهويلا من الكاتب، ها هو يتحقق اليوم ولم يعد مجرد خيال مبالغ فيه.
تنتهي رواية ميشيل أولئك باعتناق الشخصية الرئيسية للإسلام، بعد أن أصبح زملاؤه في الجامعة مسلمين، واقعا تحت تأثير هذا الإغراء، الذي يمنحه المال الخليجي في فرنسا المستقبل.

وكما تشتري قطر نجوم كرة اليد الدوليين مقابل أن يصبحوا قطريين، فلا بد أنها تفرض عليهم في الصفقة الموقعة أن يغيروا دينهم وهويتهم، ويصبحوا بالتالي مسلمين سنة وعربا، وتفرقهم على القبائل والعشائر.
يقول لاعب دولي فرنسي سابق التحق بالجنة القطرية، وكلف بتدريب الصغار القطريين في أحد الأندية، إن الشباب في هذا البلد لا يرغب في الالتحاق بالأندية من أجل اللعب، ويتطلب ذلك الدخول في مفاوضات مع أولياء أمورهم، إضافة إلى تخصيص تعويض شهري قيمته 600 أورو، كل هذا ليلعبوا كرة اليد، لكنهم يتمنعون.
ولذلك تشتري قطر كل شيء، وإذا لم تكن تتوفر على مواطنون يعشقون الرياضة، فلها المال الكافي لشرائهم، ومن النوع الجيد.

لقد نجحت التجربة، وها هي قطر تلعب نهاية بطولة العالم لكرة اليد، مزيحة كل المنتخبات العريقة في هذه اللعبة.
ومن يقول إن الوطن لا يباع ولا يشترى، فهو واهم، إنه مثل أي سلعة معروضة للبيع، وليذهب ذلك الشعور الآسر وتلك القصائد وتلك الدماء التي تسيل إلى الجحيم.
الوطن هو المال.
والمال يشتري الصحفيين والنجوم واللاعبين الدوليين والمفكرين والجيوش ويشتري الدول.
ويشتري الدين
والتاريخ
والأمجاد
والمتاحف
والمدن الأوربية
والدول
والرؤساء
والفيفا
ويوما ما ستفوز قطر بكأس العالم لكرة القدم
بفضل لاعبها القطري ميسي
وحارس مرماها مانييل نوير
وبفضل شرائها لكل اللاعبين المتميزين في العالم وهم في بطون أمهاتهم.
يوما ما سيصبح من ليست قطر هي وطنه
لا وطن له.