وبعد مرور يومين اضطر بيرلوسكوني وأمام ضغط الأوربيين إلى التنازل ومخاطبة أقرب الأشخاص إليه في العالم، لكنه لم يحمل سماعة التلفون وقال كي يدفع عنه اللوم إنه منشغل “للاستعمال المفرط وغير المقبول للعنف ضد الليبيين”.

لا أحد يشك في الحب المتبادل بين بيرلوسكوني والقذافي، فالأول من مروجي نظرية خاصة وفريدة في الدبلوماسية يطلق عليها “دبلوماسية المشاعر”، التي تعتمد على العواطف والسهرات والزيارات وتبادل الفتيات، إذ يستولي القذافي إلى جانب بوتين على قلب رئيس إيطاليا، ويحتلان مكانة خاصة لديه، حتى أنه كان يردد دائما “إنه من خلال الود المتبادل يمكننا بلوغ الأهداف الكبرى”.

هكذا استقبل بيرلوسكوني الصيف الماضي خليله القذافي في روما استقبال الأبطال، وكان يرافقه ثلاثون فارسا ومجموعة من النساء المحاربات اللواتي يلقي على عاتقهن مهمة حراسته والحفاظ على أمنه، ويحرص على إظهارهن في حله وترحاله، في بهرجة يحاول من خلالها إثارة انتباه الإعلام، تلك المحاربات اللواتي يلبسن بزات عسكرية حتى أن الإعلام الغربي تعود عليهن الإعلام وأطلق عليهن لقب الأمازونيات نسبة إلى نساء في الأسطورة اليونانية ينتمين إلى شعب مكون من النساء فقط مهنتهن الحرب وحمل السلاح.

بعض الجرائد الإيطالية التي مازالت تقاوم ولم تخضع بعد لسطوة إمبراطورية الإعلام التابعة لبيرلوسكوني تتحدث عن احتمال أن يكون معمر القذافي ملهما لبيرلوسكوني في تنظيم الأمسيات الماجنة والإيروتيكية، كما كتبت يومية ليبراسيون أمس الأربعاء، والتي يدعو إليها ضيوفه ويوزع عليهم حسناوات إيطاليات لتسليتهن، والجميع يتذكر زيارة القذافي الأخيرة لإيطاليا حين خطب أمام جيش من البنات الفاتنات ودعاهن إلى اعتناق الإسلام.
إلا أن التفاهم بين الطرفين يتجلى بشكل واضح في الجانب السياسي والاقتصادي، وقد كان اليسار الإيطالي سباقا في تحقيق تقارب مع طرابلس، قبل أن يأتي بيرلوسكوني ويوصله إلى ذروته القصوى سنة 2008، حيث قدم الرئيس الإيطالي في هذا العام  “اعتذاره للتقتيل والقمع الذي تعرض له الشعب الليبي أثناء الاستعمار”، فالتزم بمد ليبيا بخمسة ملايين من الدولارات كتعويض، ومقابل ذلك قبل القذافي بإغلاق صنبور الهجرة محاصرا عشرات الآلاف من المهاجرين الأفارقة ومانعا إياهم من الوصول إلى جزيرة لامبيدوسا.

كما أن إيطاليا أصبحت تخضع لليبيا في ما يخص حاجياتها من الغاز والبترول وتتخوف من توقف الإمدادات مع الجرائم المرتكبة  وتدهور الوضع وحصول الفوضى.

هناك عموما مصالح مشتركة بين البلدين حيث دخل الليبيون كمساهمين في عدة شركات إيطالية إذ يملكون أكثر من7 في المائة  من بنك “أونو كريدي” وسبعة ونصف في النادي الشهير جوفنتوس، حتى أن بورصة ميلانو هبطت إلى ما يقارب أربعة في المائة نتيجة ما يقع في الجارة الإفريقية لإيطاليا.

وقد حذر وزير سابق ينتمي إلى يسار الوسط بإن الوضع يتجه نحو الكارثة خاصة على مستوى الطاقة” مضيفا “المشكل  أنه مع بيرلوسكوني لم نعد نملك سياسة خارجية وإنما علاقات شخصية تكللها مصالح خاصة مخبأة”. ويبدو أن الفارس الإيطالي سيجد نفسه مضطرا إلى التخلي عن صديقه الذي يتوقع كثيرون نهايته الوشيكة، كما أنه منشغل هذه الأيام مع المحاكم والقضاة والفتيات اللواتي يرفعن دعاوى ضده بتهمة الاستغلال الجنسي.