الرئيسية > آراء > قراءة في فيلم “رشوة” رتابة وملل واخطاء بالجملة
19/10/2013 05:01 آراء

قراءة في فيلم “رشوة” رتابة وملل واخطاء بالجملة

قراءة في فيلم “رشوة” رتابة وملل واخطاء بالجملة

رتابة كبيرة، و ملل قاتل كانتا السمة البارزة التي طبعت الشريط التلفزي – رشوة- لصاحبة حكيم البيضاوي، الذي لم يكن موفقا في حبك خيوط شريطه، كما لم يكن موفقا في برنامج مداولة، الذي أشرف في مدة سابقة على إخراجه.
إن مخرج أي عمل فني، لا بد و أن يكون بمثابة المايسترو، الذي يضبط إيقاع عمله الإبداعي. فبحدسه، و بحسه الفني المرهف، و بموهبته – إن كان يملك موهبة طبعا- يعرف متى يهبط بالإيقاع،   و متى يصعد و متى يفاجئ جمهوره، و متى يبكيه و متى يضحكه… كل ذلك تحصينا لإبداعه من تسرب جرثومة اسمها الملل.

لقد ظل الإيقاع أفقيا رتيبا، مع أن الشريط مليء بمحطات، كان من الممكن أن يراهن عليها المخرج لزعزعة الإيقاع، و التي يمكن أن نذكر منها على سبيل المثال واقعة إلقاء القبض على القاضي المشهور بنزاهته، و ما كان يجب أن يصاحب ذلك من ضجة إعلامية صاخبة، و نقاش حام، و تكتل الهيئة الدفاعية لمؤازرته، باعتبار أن القضاء و المحاماة جناحان لطائر واحد اسمه العدالة.
لكن لا شيء من ذلك حدث، فقط هو حدث عابر، و كأن الأمر يتعلق بمروج هاو لمخدر الشيرا.

ثم إن ما ميز شريط -رشوة- هو الهفوات الكبيرة و معرفتنا المسبقة أن الساعي الذي يرابط بمكتب القاضي – الممثل عاجل- هو صاحب الفعلة و المساهم في الإيقاع بالقاضي، و لم يكن عصيا علينا تفكيك اللغز، أو انتظار النهاية لكشف الفاعل، ما أضاع علينا متعة المشاهدة والترقب والتشويق.

أما عن الهفوات الفادحة في حبكة السيناريو، و التفاصيل البسيطة التي تم إهمالها، فيمكن إجمالها في النقط التالية:
1/ عند قدوم الوكيل العام للملك لبيت القاضي، عرف بنفسه، مع العلم أنهما يشتغلان في محكمة واحدة، و من البديهي أن يكونا على معرفة تامة مسبقة ببعضهما البعض.
2/ لا يعقل أن تسأل المنظفة الساعي عن خبر اعتقال القاضي نبيل، بعد أيام عديدة من اعتقاله،علما أن مثل هاته الأخبار يستحيل أن تظل طي الكتمان.
3/ محامي القاضي يحضر بدون بدلة جلسات التحقيق، مع العلم أن القانون يلزم المحامي بارتداء بدلته أمام هيئات التحقيق – المادة 35 من القانون الداخلي لهيئة المحامين بالرباط-.
4/ جرائم المخدرات تعد جنحة في القانون الجنائي المغربي، و يرجع اختصاص النظر فيها إلى المحكمة الابتدائية، عكس ما شاهدناه من كون القاضي نبيل، المستشار بمحكمة الاستئناف، هو من بث في ملف مروج المخدرات. فهذا يخرج عن اختصاصه، استنادا لمقتضيات المادة 2 من ظهير 21 مايو 1974 المتعلق بالاتجار في المخدرات، الذي استعمل في جل مواده مصطلح الحبس الذي يفيد أن الأمر يتعلق بجنحة، و لم يستعمل مصطلح الجناية، و بالتالي فالجريمة ليست بجناية،   و إنما هي مجرد جنحة، لا تصل عقوبتها إلى حد خمسة عشرة سنة كما شاهدنا في شريط – رشوة-.
5/ كيف يعقل أن يعامل القاضي داخل المؤسسة السجنية بتلك الغلظة و القسوة التي صورها شريط رشوة، و كيف يمكن لسجان أن يخاطبه بوجه متجهم، و بتلك اللغة الخشنة – نت ها بلاصتك-، ثم في مشهد آخر – أ نوض تكعد عندك زيارة-، و كيف يعقل أن يحشر قاض مع معتقلي الحق العام، و دوي السوابق العدلية.
6/ سذاجة كبيرة تلك التي ميزت الخطة المتعلقة بفتح حقيبة القاضي نبيل، و دس الأوراق المالية بها، إذ أفتى العقل المدبر على معاونيه أن يتم تجريب جميع الأرقام من 000 إلى 999، إلى حين ضبط الرقم الصحيح. فهل من عاقل يمكن أن يصدق هاته الحماقة !!
7/ هفوة أخرى تتعلق بحبكة السيناريو، و المتمثلة في مشهد الذي جمع القاضي نبيل بزوجته على مائدة العشاء في مطعم عمومي، بمناسبة عيد ميلادها، إذ طلبت الزوجة من زوجها الاتصال بابنتهما التي تدرس في مدينة أخرى، فنزل للبحث عن هاتفه النقال بسيارته، قبل أن يفاجئه الشخص الذي حاول إغواءه بالظرف المشبوه – الرشوة- و هو يمتطي دراجة نارية، و يضع خودة على رأسه، تغطي وجهه بالكامل.
ففي هذا المشهد المصطنع، يظهر بجلاء، أن كاتب السيناريو غابت عنه كل الحيل من أجل تحضير واقعة لقاء القاضي مع الشخص المرشي، و أحسست كمشاهد أن القاضي نبيل نزل فقط لأن شيئا ما سيحدث، خاصة و أن سبب مغادرة المطعم لم يكن ذا طابع استعجالي، و كان من الممكن تدبير أجواء أخرى للقاء، تكون مقبولة من الناحية العقلية و السياق الدرامي، كما أنه ليس من المقبول منطقا أن ينزع المرشي خوذته لكشف وجهه أمام القاضي، إذ نشعر كمتتبعين أن ذلك لا يقبله منطق عاقل،     و إنما كان القصد من ذلك فقط التحضير لمشاهد أخرى قادمة، تتعلق بفك لبس القضية، و تبرئة القاضي.

8/ الطريقة التي تعرف بها الممثل طارق البوخاري الذي بالغ في دور البدوي، مع انه ممثل جيد تشهد له أعماله السابقة بذلك، على خادمة القاضي بأن اتفق مع أحدهم بمقابل مادي على اعتراض سبيلها كي يخلصها هو منه بشجاعته و إقدامه، فيكون اللقاء و المعرفة ….

إنها طريقة مبتذلة ومستهلكة، و أحد الكليشيهات المعروفة في الدراما المصرية، فوضفت غير ما مرة في أعمال عادل إمام و رشدي اباضة و غيرهما.

9/ في المشهد الذي يخبر فيه المعتقل القاضي بعودة زوجته إليه في ساحة السجن، نرى أحد موظفي السجن ينظر إلى الكاميرا بشكل عفوي، الشيء الذي لم ينتبه له مخرج الشريط، أو ربما انتبه إليه بعد التصوير، و اعتبر الأمر عاديا لا يستحق إعادة تصوير المشهد.

10/ بدلة زرقاء غادر بها الممثل عاجل المحكمة رفقة الممثلة هاجر كريكع متجهان إلى المقهى، ليصل ببذلة بنية.

إنه ليحز في نفسي كثيرا هذا النوع من البؤس الفني، الذي يعطي صورة غير مشرفة عن الإبداع المغربي، الذي نتعطش جميعا لرؤيته في أحسن صورة، مشرقة ممتعة، محبكة و متوهجة، لا أن نرى شبه عمل إبداعي مترهل، خاصة إذا تعلق العمل بمهنة القضاء النبيلة، التي تستحق عملا كبيرا يليق بعراقتها، و امتدادها و مكانتها.

يبقى أن أشد في الأخير على يد ممثل شامخ اسمه محمد خيي، الذي كان أحد النقط القليلة المضيئة في شريط – رشوة-، إلى جانب الممثلة الواعدة هاجر كريكع خريجة المعهد العالي للفن المسرحي    و التنشيط الثقافي.

موضوعات أخرى

25/10/2021 13:30

كرة الاحتجاجات ضد ايت الطالب كبرات.. أكبر تجمع نقابي بوزارة الصحة غايبدا سلسلة الوقفات ضد فشل الوزير فالتدبير و”التخلويض” فالمديريات