هشام اعناجي – كود الرباط//
في وقت يستعد فيه المغرب لحسم تاريخي في قضية الصحراء، مستندا إلى تحالفات دبلوماسية وازنة طالما حاول الكوفي تقويضها، وفي لحظة وطنية أظهر فيها أشبال الأطلس في تشيلي أن روح الانتماء للوطن والعلم المغربي أقوى من كل الاصطفافات الأيديولوجية، جاء قانون مالية 2026 ليحمل توقيعا واضحا على استمرار المغرب في ترسيخ سيادته المالية و استقلال قراره الاقتصادي.
فبينما يغرق بعض الخطاب اليساري والإسلامي والكوفيون عامة في الرغبة الدائمة في “الإنفاق بلا حساب”، اختار المغرب – واقعيا– أن يوازن بين الطموح الاجتماعي والصرامة المالية،
بين العدالة والتكافؤ من جهة، والاستدامة والمسؤولية من جهة أخرى.
القانون الجديد يستهدف حصر عجز الميزانية في حدود 3% فقط، مقارنة بـ3.5% في السنة الجارية، بينما يتوقع ان ينمو الاقتصاد4.8% هذه السنة و4.6% العام المقبل.
وهو إنجاز في سياق اقتصادي دولي يطغى فيه اللايقين، وتتعثر فيه حتى اقتصادات كبرى تحت وطأة التضخم وتقلبات الأسواق.
لكن الأهم أن هذا الانضباط المالي لم يأت على حساب التنمية.
فقد تم الرفع من الاستثمار العمومي إلى 380 مليار درهم، موجهة إلى تثبيت ركائز الدولة الاجتماعية، وإطلاق جيل جديد من البرامج التنموية لفائدة المناطق الجبلية والواحات، إضافة إلى الاستمرار في تشييد البنى التحتية الكبرى التي تجذب الاستثمار الأجنبي وتخلق فرص الشغل المستدامة.
هذا التوازن هو جوهر الفلسفة الاقتصادية الجديدة للمغرب:
الاستثمار في الإنسان دون تضييع التوازنات الكبرى التي تحمي العملة، وتضمن استقلال القرار الوطني.
أما الكوفيون (ذلك التحالف العجيب بين اليسار والإسلاميين) فلا يرون في كل هذا إلا أرقاما جامدة.
بالنسبة إليهم، الإنفاق العمومي هو الحل لكل أزمة، وكأن المال العام خزينة لا تنضب، أو كأن الاقتراض ليس دينا سيتم تسديده من جيوب الأجيال القادمة.
يتناسون أن كسر التوازنات المالية لا يعني “عدالة اجتماعية”، بل يعني خضوعا جديدا للمؤسسات المالية الدولية، وشروطًا قاسية تبدأ بـخفض الإنفاق الاجتماعي وتنتهي بفقدان القرار السيادي نفسه.
في النهاية، قانون مالية 2026 ليس مجرد وثيقة حسابية، بل هو إعلان سياسي صريح يبين أن المغرب اختار طريق الاستقلال الاقتصادي بدل الارتجال الشعبوي، واختار أن يبني العدالة الاجتماعية على أرضية صلبة من المسؤولية، لا على شعارات اليسار الحالم ولا على مزايدات الإسلاميين الخطابية.
لكن مشكلة التكنوقراط في الحكومة تكمن في انعدام تواصلهم وترك الساحة امام الكوفي الذي يتقن الصراخ.