محمد حمودان كود

إذا كان الحزب الاشتراكي يمثل ما يسميه الفرنسيون “يسار الكافيار”، فإن نجاة فالو بلقاسم، وزيرة التربية الوطنية في حكومة فالس 2، هي الكافيار بعينه. فهي إنسانة غالية، راقية ورقيقة في نفس الوقت. هكذا بدت لي على كل حال وأنا أشاهد برنامج “لسنا نيام”، الشيء الذي نادرا ما يحدث لي بحكم حساسيتي المفرطة لهذا النوع من البهرجة، على القناة الفرنسية الثانية حيث حلت ضيفة سياسية على حلقة يوم السبت الماضي من البرنامج.

بخطى واثقة، دون أدنى ذرة من الخيلاء، دخلت نجاة إلى البلاطو، تحت سيل هائل من التصفيقات، وابتسامة عريضة تعلو محياها ذي التقاسيم الطفولية الملائكية، فسجدت لها، تقديرا وإجلالا، الأنوار الكاشفة التي حَسِبْتُها أقمارا ونجوما ساطعة. وهي داخل البلاطو، ألقت نظرة خاطفة على الحضور، تقدمت بثبات نحو مقدم البرنامج وضيوفه و، لأنها إنسانة مهذبة وراقية، شرعت في السلام عليهم واحدا واحدا قبل أن تجلس على الكرسي المخصص للضيوف السياسيين، وهي تضع ساقا على ساق، مثل ملكة تستوي على العرش. لم تكن ترتدي مع ذلك ثيابا باذخة بل سترة سوداء بسيطة و سروال دجين ضيق، ينطبق تماما على فخديها، وتنتعل أحذية ذات كعوب عالية حتى أنها بدت مرفوعة تتاخم قبة السماء، حتى أنني خلتها تمتطي صهوة جبل من جبال الريف.

آه! نجاة!

لم تفارق الابتسامة ولو لحظة وجيزة وجهك المشرق حتى عندما أضجروك بأسئلتهم السخيفة. بأسئلتهم الثقيلة. بالأرقام. بالإحصائيات. بالبطالة. بالتعليم ومشاكله. بهامون وهامان. بيسار الحزب الاشتراكي وبيمينه.

من يظن نفسه ذلك الصحفي الذي أراد أن ينصب لك فخا ويوقعك في شركه عندما سألك عن تعدد مناصبك؟ هل يظن نفسه أشطر منك عندما لمح إلى الـــ 3000 أورو التي تتقاضينها كتعويض عن منصب مستشارة عامة في “مجلس الرون” حتى لو أنك نادرا ما تخصصين له بعضا من وقتك نظرا لتعدد انشغالاتك؟ هل يظن نفسه أكثر يسارية منك؟ هل نسي أن قلبك على الفقراء والمعدمين، وإلا ما معنى نضالك في صفوف اليسار؟ استكثر عليك 3000 أورو. إنسان وقح فعلا، لا يخجل.

يا لتفاهته، يا لرقيك!
أنت فعلا ساحرة، يا نجاة. تحولين، ما إن تفتحي فاهك، مثل الخيميائي الذي يحول الطين إلى ذهب، لغة الخشب إلى سمفونية حالمة، لايعادلها لا “الناي السحري” لموزارت ولا “الفصول الأربعة” لفيفالدي، سمفونية حالمة تسافر بي بعيدا إلى قارات مجهولة، إلى البرزخ ثم إلى عالم الغيب، بعيدا عن التفاهات السياسية، عن الطبقات وصراعها، غن بؤس الضاحية وسوادوية الغيتو. فلا أشعر بنفسي إلا وقد بلغت بي شطحاتي قمة النشوة، غائبا في حضرتك، وأنا أحل فيك، أنتِ الكلمة، أنتِ الحق.

كنت فعلا باهرة، نجاة، لذلك أبيت إلا أن أظل مسمرا أمام الشاشة، حتى تنتهي الجوقة من استجوابك، رغم القهقهات الصاخبة لرئيسها المهرج الفذ لوران روكييه وتصنعه، رغم ثقل التمتيلية وسوء الكاستينغ.