لا يشرح أصحاب الفكرة ما هو المقصود بالدستور الديموقراطي، لأنه لا يفتح أفقا معينا، أو يقرأ التاريخ الحالي والمقبل بناء على تسمية سياسية واضحة:

هل هو دستور ديموقراطي شعبي يؤسس لملكية دستورية؟
أم دستور يؤسس لملكية برلمانية؟
أم هو دستور يؤسس للخلافة على منهاج النبوة؟
أم أنها الجمهورية لا تريد أن تعلن عن نفسها وتتقدم وهي تضع على وجهها اسما غير واضح المعالم؟

لا شيء يبدو منطقيا. فأن تدفع بالناس إلى التظاهر، أو تسير في ركابهم وتحت رايتهم المعروفة، ساعيا في الوقت نفسه إلى تحويل ما هو واضح إلى شعار غامض، فذلك لا يعني منطقا معينا ومنطقا مستقيما، بل هو يعني أن غياب المنطق نفسه هو الدليل الوحيد على … شعبية المطلب!
وهو عبث ولا معنى..

لا يبدو أن الوضوح في هذا الباب ضروري، حتى ولو كانت كل الأطراف تلتقي حول 20 فبراير وحول برنامجها الذي تم الإعلان عنه في الندوة التي أعطت الانطلاقة للمسيرات 53 .

ما هو مطلوب ليس هو من الذي سيفوز بانتخاب المجلس التأسيسي، بل هو ما سيتفرع عن عمل اللجنة .
كيف؟

في سياق الحديث عن اللجنة أو المجلس التأسيسي، للاتحاد تاريخ كبير حول الموضوع.. وقد طالب حزب القوات الشعبية في بداية الاستقلال بالمجلس التأسيسي على قاعدة الانتخاب.

وقد كان ذلك مفهوما في بداية صناعة الاستقلال والنزاع حول الشرعية والامتداد الوظيفي لحركة التحرير الشعبية وحمل قيمها.
وبالرغم من ذلك، فقد كان في أوساط القيادة الاتحادية الذي ينضبط لقرارات الأغلبية، ولكنه كان يرى الأشياء من منظور آخر.
دار هذا النقاش مع تشكيل محمد الخامس للغرفة الدستورية، وكانت من تعيين الملك. وقد حضرتها الأحزاب كلها، باستثناء الاتحاد الوطني الذي كان يطالب بمجلس تأسيسي.

ومع ذلك، فالذي فجر الغرفة الدستورية، عندما تم انتخاب الزعيم علال الفاسي رئيسا لها، هو أحرضان.

وقد علق الفقيد بوعبيد على ذلك بالقول «لقد كان مدينا للقصر الملكي بكل شيء، وهذا الشخص بالذات هو الذي قر عليه الاختيار لكي يكسر منذ ولادتها، مؤسسة لا شك أنها مفبركة، ولكنها على أي حال من إنشاء محمد الخامس».

ولم يفت عبد الرحيم أن يوجه النقد إلى القيادة في الاتحاد، والتي كان جزءا منها، حيث قال« إن بعض القادة اعتبروا ذلك تأكيدا على تحليلاتهم» وهي تحليلات انتظارية وسطحية، يقول، بالنسبة لهم إن فشل الغرفة الدستورية «دلالة على التفسخ واللاشي»، وهو ما يعني أن على القيادة الانتظار أن يتهاوى كل شىء وينهار قطعة قطعة، ولابد أنهم سيلجأون إلينا في محاولة لتقييم الوضع وإصلاحه.».
وأعتقد أن هذه الإغراء يراود كل الانتظاريين الآن..

ويذكر عبد الرحيم أن المجلس التأسيسي لم يذكر التعبير عنه في سنوات الكفاح ما بين 1951 و1955، وهو ما جعل المقاومين يدفعون إليه، كما أن بعض الأطر رأت أنه الطريقة في التميز وعدم التشابه مع الآخرين، في حين قدر القائد عبد الرحيم أنه ابتداء من 1960، بدا له من العقم والشلل مواصلة التقوقع في هذا الموقف.

فقد كان غير وارد زمن الملكية، التي تملك الشرعية التاريخية، أن تتنازل عن صلاحياتها وتجرد نفسها منها لتمنحها إلى مجلس وطني منتخب، خاصة وأنها مسنودة بشرعية النضال إلى جانب القوى الوطنية … ضد الاستعمار.
والأمر أيضا ليس دستورا قانونيا متعاليا عن الواقع غير محدد المعالم، بل هو دستور برنامج للتطوير الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والبشري أيضا..
وقد كشفت مذكرات عبد الرحيم بوعبيد رحمه الله، بعد أزيد من ستة عقود على تلك الفترة، عن نقاش دار بينه وبين المهدي بنبركة رحمه الله حول نفس الموضوع، وحول ما اسماه «مناقشاتنا اللانهائية حول السبل والوسائل الكفيلة بإقرار نظام ديموقراطي.

وقد تساءل عبد الرحيم عن القدرة على التعبئة من أجل المجلس التأسيسي، وقال «أبدا لن تكون، بل إن التفكير في هذه الحالة يكون هو البحث عن التأزيم، ومن هذا الوضع المتأزم سيولد النور ويأتي يوم الثورة الأغر»،وهو تحليل يقود إلى الفراغ أكثر مما يقود إلى نتيجة سياسية ملموسة.
إن الشعبية التي يحظى بها الملك اليوم يجب أن تكون ترسانة عاطفية وسياسية لتوافق كبير مع مكونات الأمة من أجل إطار دستوري قوي ومتقدم، ولا أن تصبح الهدف من وراء المناوشة والتشكيك، وإلا فإن الجماعات السياسية تكون متخلفة عن الأفكار وتأتي بعدها إلينا.

وفي تلك الفترة الماضية يمكن تبرير النقاش بكون الدولة كانت في صراع مع ذاتها من أجل تحديد هويتها وتأثيث كيانها السياسي، وبالتالي فقد كانت في لحظة المشروع طرحت الصيغ التي رأت أنها الكفيلة به، هذا بالإضافة إلى نزاع الشرعية… بل حتى الشرعية كانت في الشخص الذي يتولى إدارة الملكية، أي المرحوم الحسن الثاني، وليس في شرعية النظام نفسه.

واليوم نحن أيضا أمام ملك يحظى بشعبية حقيقية، ولا يمكن تجاهلها في بناء المواقف.

اليوم عندما نعود إلى الصيغ نفسها، فهناك مخاطر احتمال أن نحمل نفس المضامين، الضمنية أو الصريحة لذلك النزاع.
وجماعة العدل والإحسان التي دعت غير ما مرة إلى القومة، وجدت ربما ضالتها في الحركة الحالية، ولا شك أنها تريد أن تعطيها، بعد أن تجاوب الخطاب مع سقفها عمليا، بدون التفاصيل العادية الأخرى، سقفا آخر.
فلا أحد يجهل ما تريده الجماعة،
كما لا أحد يجهل أن شرعية النظام عندها موضوع سؤال.
وليست تصريحات نادية ياسين هي الوحيدة في هذا الباب، بل الترسانة الفكرية والفلسفية والتربوية الدعوية كلها تقوم على المنازعة في مشروعية النظام.

ربما تشعر الجماعة أنها غير واردة في المغرب الذي يتم الإعداد له، وأن عليها أن تقوم بدعوة نفسها، عبر الشارع، إلى مائدة التفاوض.
وأن اختيار ذلك هو المنازعة والاحتفاظ برأسمال المسيرة الألوفية في 20 فبراير.

إن الجماعة معطى حقيقي في الساحة الوطنية، ولا يمكن أن يكون الاختلاف الجوهري معها تعلة لكي نتجاهل تواجدها في الساحة. إنها فاعل حقيقي وموجود ولابد من وضع نهاية لإطار اشتغالها باعتبارها نصف مقبولة ونصف مرفوضة.

وعندما نكون في دولة القانون لا يمكن أن يكون النصف ذئبا والنصف الثاني سلوقيا.
الوضع الحالي يفرض الجلوس مع الجماعة من أجل نقاش حولها وحول مصيرها، ولا أعتقد بأنها تخلو من عقلاء يقدرون اللحظة الحالية، ويمكن أن يلتقطوا تحولاتها، بعيدا عن «المبشرات» وبلغة سياسية عصرية.

إن التداول على الأفكار يفرض هذا، كما يفرضه السياق السلمي المطلوب لتطور البلاد.
فلا يمكن أن تفكر الجماعة بأنها ستعيد صياغة الهوية المغربية وإعادة تشكيل النظام السياسي، والحال أن إصرارها الدائم على سلمية نضالها لا يمكن أن يكون جديا إلا إذا انتهى باتباع الطريق السياسي.

فالعمل السلمي سياسي وسياسي فقط، ضمن قواعد متعارف عليها وطنيا.