كان يفترض أن يصبح، يوم 14 مارس 1998، تاريخ الإعلان عن تشكيلة حكومة التناوب التوافقي التي قادها المجاهد عبد الرحمان اليوسفي، ثاني أهم يوم في تاريخ المملكة المغربية بعد عيد الاستقلال.

للأسف الشديد شاءت إرادات “المركب المصالحي” أن يطوي النسيان هذا التاريخ. اليوم لا يظهر أن هناك ما يمنع من إعطاء تاريخ 25 نونبر 2011 ما يستحقه من مكانة باعتباره أهم يوم في تاريخ المملكة منذ الاستقلال.

فلأول مرة في تاريخ البلد يظهر أن المخزن بكل ما يتضمنه من غموض وسطوة قدرة على المفاجأة اختار عدم التحكم في نتائج الانتخابات التشريعية.

وفي السياق المغربي، حيث لم يمر على ظهور السياسة بشكلها الحديث أكثر من قرن، يعتبر هذا إنجازا تاريخيا وحدثا عظيما، حتى عندما كان الحسن الثاني على فراش الموت يعمل جاهدا على ضمان انتقال سلمي للعرش، لم يستطع المخزن الإقلاع عن سلوكه المقيت بالتحكم في نتائج الانتخابات ورقاب الفاعلين السياسيين الممثلين الشرعيين للأمة.

شر لا بد منه
اليوم يجب الاعتراف أن العزوف عن التصويت، لعدم الثقة في جدية المخزن في عدم التحكم المسبق في نتائج الانتخابات، كان خطأ، وإن كان له ما يبرره في مجريات الحملة الانتخابية.

للتاريخ وللإنصاف، يجب التذكير بفارق جوهري بين هذين السياقين. الاتحاد الاشتراكي كان دائما مستقلا في قراره، ولم يثبت يوما أنه ارتهن في خياراته الاستراتيجية وقراراته الكبرى لما يملى عليه من القصر، في حين ليس العدالة والتنمية سوى حزب إداري بكل ما في الكلمة من معنى. إنه حزب الراحل الدكتور الخطيب رجل المخزن الوفي (من مفارقات الذاكرة المغربية أنه لا يحظى اليوم بما يستحقه من مكانة كما هو شأن أوفقير والدليمي والبصري وكديرة!.

إنه حزب بعض المتهمين وبعض المشتبه في تلطخ أيديهم بدماء مناضلي اليسار الراديكالي مطلع التسعينيات من القرن الماضي.

إنه حزب إدريس البصري، وعبد الكبير العلوي المدغري. حزب وظف بعناية لإجهاض حكومة التناوب التوافقي، والحرب على الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية.

حزب بنكيران، الذي قال في حركة 20 فبراير ما لم يقله مالك في الخمر. حزب بنكيران الذي جند كل طاقته ليحمي القلاع الحصينة لمخزنة الدستور الجديد. إنه الحزب الذي يتحالف في مجالس الجماعات مع كل الأحزاب، بما فيها البام، ثم يخرج قادته ليزكوا أنفسهم ويشيطنوا الآخرين بدعوى أنهم فاسدون بالضرورة.

بالنسبة لأي مواطن مغربي يسعى لأن يتمتع بكافة حقوق الإنسان، مهما ظهر للبعض متناقضة مع قراءاتهم الخاصة للدين والموروث الثقافي للأمة، يعتبر فوز حزب العدالة والتنمية الإسلامي تهديدا.

لقد أثبت الإسلاميون أن النقطة الوحيدة في جدول أعمالهم هي الحرب على المجتمع. تاريخ مناضلي التوحيد والإصلاح والعدالة والتنمية في السنوات العشر الأخيرة، يؤكد أن المهمة الأساسية التي أنيطت بهم، هي الحيلولة دون دمقرطة المجتمع. لنتذكر كم مرة وظف الإسلاميون كل طاقاتهم وجهدهم للدفاع عن دمقراطة الدولة، وكم مرة انخرطوا بكل ما يملكون من جهد لعرقلة أي مبادرة تساهم في دمقرطة المجتمع.

مع ذلك كله، يجب التأكيد على استحقاق العدالة والتنمية الظفر بالمرتبة الأولى والدفاع عن أحقيته في ذلك، ما دام أنه تم في احترام تام لإرادة الناخبين.

مسؤولية اليسار في حماية المجتمع
اليمين المتطرف أمر واقع. يمثل الجزء الأهم من المجتمع المشارك في العملية السياسية.

منطقيا، لا يمكن أن يكون غير ذلك، بالنظر لعقود الأسلمة التي خضعت لها الأمة في عهد الحسن الثاني، وبالنظر للمرحلة الطويلة من المراوحة بين الأصالة والمعاصرة التي طبعت عهد محمد السادس، ثم بالنظر للإبادة الممنهجة لليسار التي اعتمدها الحسن الثاني طيلة سنوات الرصاص. المغاربة إذن اختاروا المحافظة والمحافظين.

يجب احترام اختيارهم وتشكيل حكومة لا تضم سوى المحافظين. أسوأ ما يمكن أن يقع اليوم هو إدامة الخلط الذي يجعل المصلحة الشخصية الضيقة معيار التموقع السياسي. لا شيء يجمع، إيديولوجيا، وتاريخيا، وسياسيا، العدالة والتنمية بالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بينما يجمع الإسلاميين الكثير مع حزب الاستقلال.

ويبقى الأمل إذن في أن يختار الاتحاد الاشتراكي الوفاء لطموحات ومصالح الفئات الاجتماعية التي يمثلها، لا يضع يده في يد المحافظين. وعلى الاتحاد وعلى مختلف أطياف اليسار أن تتحمل مسؤوليتها اليوم في القطع مع مبدئين كانا سببا رئيسيا في تراجع اليسار.

يتعلق الأمر بجعل المصلحة الشخصية فوق كل اعتبار بالنسبة لأطراف معينة في قيادة الاتحاد الاشتراكي.

كما يتعلق كذلك بممارسة السياسة وفق ما يجب أن يكون وليس وفق ما هو كائن، والحرص الدائم على ضمان انسجام الموفق السياسي وليس على الفعالية، بالنسبة لأطياف اليسار المعارض.

الأمل إذن معلق على الاتحاد واليسار المعارض لبناء الحزب الديمقراطي الاجتماعي الكبير. الأمل معلق أيضا على نضج حركة 20 فبراير ومن يدعمها من مناضلي اليسار الراديكالي. نضج لا بد منه لإحداث القطيعة الضرورية مع جماعة العدل والإحسان الخرافية، ومع أوهام الثورة والجماهير والشارع. نضج ضروري لاستثمار تضحيات الشباب لصالح التقدم والعدالة الاجتماعية، بعدما ظلت في مجال القطاع السياسي غير المهيكل، ولم يستفد منها سوى المحافظون في حزبي العدالة والتنمية والاستقلال.   

نهاية أحزاب الكارتون وضرورة حزب “المعاصرة”
المغاربة اختاروا كذلك معاقبة أحزاب الكارتون. صفحة الأحزاب الإدارية، التي تختلف عن العدالة والتنمية في كونها لا تعبر عن تيار مجتمعي منسجم ومنظم، يجب أن تطوى.

إنها جريمة ارتكبت في حق المغاربة خلال سنوات الرصاص. 25 نونبر 2011 يجب أن يكون فاتحة عهد جديد، ينهي مع ماضي الامتياز في الإفلات من العقاب الذي ظلت تحظى به بعض الكائنات الانتخابية في الأحزاب الإدارية.

في كل الأحوال تأكد جليا أنه لا يمكن المراهنة عليها للوقوف في وجه العدالة والتنمية. الجديد اليوم أن حزب الأصالة والمعاصرة، الذي ضم الكثير من تلك الكائنات، يضم أيضا مناضلين يصعب التشكيك في ذممهم، لكن يصعب أيضا تفهم ما يجمع بعضهم ببعض (خديجة الرويسي والطاهر شاكر! أو فاطمة الزهراء المنصوري ونائبها المتهم بسرقة مليار سنتيم في غيابها!). مناضلون يشكلون أقلية قليلة جدا داخل الحزب، كانت لبضعهم شجاعة الدفاع عن المعاصرة من داخل حزب لا علاقة لأغلبية مكوناته بالديمقراطية والحداثة.

يجب الاعتراف لبعضهم بما حققوه من اختراقات داخل المخزن لصالح الحداثة وحقوق الإنسان. اختراقات لا ترقى بالطبع لمطالب المعارضين وما يستحقه المغاربة، لكنها مهمة جدا بالنظر لمن يرفضها أصلا داخل المخزن والأحزاب المحافظة. المغرب في أمس الحاجة اليوم إلى حزب لبيرالي معاصر، يقف موقفا حاسما وواضحا من الأصالة ومن الكائنات الانتخابية الفاسدة ومن الاستفادة من قرب أحد مؤسسيه من الملك. النقد الذاتي الذي كتبه صلاح الوديع قبل أشهر لتجربة الحزب، أساس مهم لانطلاقة جديدة يمكن أن تمنح المغرب حزبا لبيراليا معاصرا حقيقيا.