أيـوب المزيـن – كـود///

إليكِ، داناي، عاجنة حَمَأِ المدينة المسنون.

هناك مدن لها أبوابٌ. عند الأبواب حرس، ورأس الحرس مزخرف بأعراف، وعلى الأعراف رجالٌ يعرفون… عُرف الدّيك هو وجه سلطة المدينة. وأنا، كلّما دخلت مدينة، اعتقدت أنّي لن أخرج منها أبداً. أتخيّل المدن كلّها نماذج مشوّهة عن فاس. مدينة لم أرها يوماً حاضرة، رغم الجامع في الوسط والحوانيت المحيطة، ورغم روائح الجلد والبخور، ودوائر الأمور. رغم دقّة العمارة وصرامة الأبواب وتعدد الأسوار، فاس هي أصل التشوه والضياع والخيبة والـ«سّيبة». حيثما حللت، كنت أتمتم: أنا الغريب، أبيع السِّواك والخلاخل، أخطأت هناك أو هنالك. أجيروني واذبحوا الدّيك أو ذروه، فقط اتركوا لي المدينة التي لا تنتهي، المدينة المطلقة التي تدمّرني وأدمّرها.

إنّ بيروت مدينة تتخرّب، على حافة خراب مستمر ومتجدّد، وهو ما يجعل منها مدينة تشيخ ولا تدوم، فلا هي مدينة الموتى ولا هي مدينة السّماويين. من يستهلك المدينة أكثر ليهرب، ليتراجع خلف خطوط التماس، هو القادر على الإحاطة بالأوكسيمور الهندسي لهذا الفضاء العائم بين منزلتين. قال الإمام الأوزاعي (707-774): “وأعجبتني بيروت أنّي مررت بقبورها، فإذا امرأة سوداء، فقلت لها: أين العمارة؟ فقالت: إن أردت العمارة فهي هذه، وأشارت إلى القبور، وإن كنت تريد الخراب فأمامك، وأشارت إلى البلد، فعزمت الإقامة بها”. يحدث أن تصير بيروت، الحاضرة الضاجة بالعرب والأرمن والآسيويين والأوربيين، “باريس الشّرق” كما ينعتها البعض مجازفة، في لحظة من اللّحظات، بادية آسيوية، لا فنيقية، لا شرقية ولا غربية، عاصمة الزّومبي بامتياز.

غرب الضاحية، جنوب المطار
من أين ندخل بيروت؟ يجب أن نتذكر المدخل، ومنذ الآن علينا ألاّ ننساه، فمسألة الخروج من مدينة متجانسة ومتنافرة لعبة جدية، محفوفة بالمخاطر، قد لا يعرف عواقبها حتى أشطر المعماريين وأدهى جنرالات الحرب. بيروت إذن مدينة بالانسحاب، منذورة للتوتر والقلق والصّداقة المتقلّبة، لا تكون منتصراً إلاّ وأنت خارجٌ منها بأعضائك كاملة غير منقوصة. دخلتها من منطقة “بدارو”، على خط التماس، حيث الحانات والملاهي ومحلاّت القمار من جهة، وجنائن اللّيمون والحرش من جهة أخرى. اللّيمون نهد المقاومة وعطرها. على كلّ خط تماس، في أي مدينة أو قرية، توجد معابر ذهنية وعمرانية نقاومها بعبور التجربة. وحيثما تراجعت الكتابة، حُبكت الأساطير وتقدّم الشّعر. في بيروت، يتقدّم الشّعر بين الخُرافة والبيت، وتتحوّل المدينة الواحدة إلى مدن متناسلة تلامس جدرانها الوهمية بقايا قداسة المعبد القديم ومرويّات نفايات الدّولة المعاصرة… تحتاج بيروت المدينة إلى مدينة تسعها، ونحتاج معها لكثير من الصّبر والحذر والحيلة أحياناً، في الولوج كما في العزل.

لكن، مع هذه “العصرنة” المتنامية، هل تبقى عبارة ممكنة لتراث قادم؟ خلال كلمة ألقاها بمناسبة معرض بيروت 1921، تحدّث الرّائد موفاي أمام نخبة من العساكر والتجار والصحافيين عن صعوبات إيجاد مكان يليق بالتظاهرة شارحاً: “لقد اضطررنا لإتمام هدم المنازل التي دكّها الأتراك، وطمرنا المقابر، وقمنا باستغلال حديقة ساحة المدافع (ساحة الشّهداء)، محاولين قدر الإمكان عدم المساس بالأشجار، لأنها تسلية المكان الوحيدة. لكن هذه المصاعب المادية لم تكن ذات شأن مقارنة بعوائق التجديد المتمثل في إحداث معرض في سوريا”. اكتفى الرّائد موفاي بتنظيم “الحدث” بين شارع أَلِنْبِي وساحة المدافع، وشأنه شأن الأميرال والمصّور الفوتوغرافي لوي فجنيس صاحب “ضفاف نهر الكلب”، كان يتحسّر على صعوبة إدارة الحطام، ودفع إلى محوه عوض استغلال ذخران الذاكرة المتمنّعة، في ميدان العرض الفني أو الحربي كما في إطار التّصويرة المغدورة، من أجل تأسيس حداثة تنسخ لبنان وتصيّره منطقة شبيهة بالجنوب الغربي لفرنسا، تنزل بيروت منزلة بوردو منها.

في بيروت، أكثر من أيّ مدينة أخرى أعرفها، أكثر حتّى من فاس وبوردو، اتّضحت لي مخاطر “السياسة الخلاّقة” القادرة على تدمير كلّ شيء وبعثه عزاءاً؛ لنحوّل مثلاً حديقة الصنائع إلى موقف سيّارات ونتحدّث عنها بفخر الواقفين على طلل، فلنجعل الجميزة منطقة راكدة، ولننقل البهجة إلى “بدارو”، فلنهجّر “الآخرين”، هيّا بسرعة نحتاج مساحات للحفل، ولنتفق لاحقا على كيفية سديدة لإعادة إعمار مناطقهم، بإرجاعهم كأشباح. «اقتصاد التّبديل» هذا، سلاح بسلاح، أزهار بآلات، أناس بأطياف، هو شكل من التّرهيب الجمالي: أحنّطك يا شبيهي، تمثالا تصبح، وأبني المدينة الجديدة دونك”. هذا ليس مشكل المدينة وأهلها، بقدر ما هو مشكل سرديّات القفل والمزلاج؛ إنه خطأ الغنائيات المدسوسة في التوليفات الموسيقية والتاريخ الرسمي، حتّى لا أقول إنّه فخّ الفاءين: فيروز وفرنسا!

“ألمازة” في حارة طرابلسية
هناك مدن لا أدخلها إلاّ مساءاً، والمساء بوّابة اللّيل، واللّيل كوّة النائم المشرعة على مدينة الأحلام. تحلم المدن مثلنا. ومثلها نحن، نحاول تشييد الأبواب والأسوار وإغلاق الدّاخل المبحوح بالكدمات والحروف. أحلام طرابلس، كأحلام ساعة التل، تدقّ سكون الرّمل على الشّاطئ، دون أن تجيب سفينة واحدة. أحلام يائسة ومدحورة تشعرك بالفقدان والجوع. عند “أبو فادي” تتناول السّمك في الخبز، مع رُبّ الحار(الهريسة)، وبسرعة تحاول إيجاد شارع مينو، كأنه تصغير للميناء، للبحر الذي لا تعرفه فاس. يستعمل الفاسيون نفس الكلمة، مينو، لتدليل الطّفل، ولـ”تغنيج” عضوه التناسلي الصّغير. لا نستطيع الخروج من الأبواب، فكيف لنا أن نعود عبرها؟ في مينو، كما في بدارو، يتموّج “العتيق” بين تقليد هارب وتحديث متسلّط، فيما تضيع أنت، ومن منّا يعرف إلى أيّ وقت يمتدّ ضياعك.

هكذا تنتهي كلّ ليلة: تحملق في خضرة القنّينة اليتيمة، وتتلمّس برودتها بيديك المرتعشتين، كما لو أنّك تتحسّس رطوبة العشب في حقل ما على هضبتيّ عين سعادة وقرنة شهوان الغارقتين في أحراج الصّنوبر والكنائس. أنسحب عبر طريق طرابلس إلى عرس الذئاب في مزرعة عوكر، وبعدما أكون قد لامست تخوما جديدة في المدينة، أتوقف مجددا للأكل عند “الدّورة”. سندويش روستو بالخردل وطرائف “أبضاي” الشّاورما بشواربه المقوسة يحفّ اللّحم بطرف السّكين مُدّعياً أنّه حلبيّ. أمسح شفتيّ وأهمهم كعادتي، كأنّني أغفو ولست بنائم، وأنا راجع من الشطر الكولونيالي لفاس إلى حومتي الملتوية في البطحاء حيث أتصيّد النّعاس بين كنايات المباني المائتة من ورائي.

بشارة تنّورين
للباب عتبتان: عتبة الارتفاع التي ننظرها بالعين وعتبة العرض التي نتخطاها بالسّاق أو نقف عندها بالقَدم متحسّرين. حجم الباب حاصل ضرب العتبتين. كانت خالتي تقول دائما: “إذا وجدتها مفتوحة فلا تدخل، وإن أرادوها مغلقة فلا تطرق”. كأنّ الانسحاب، مرّة أخرى، هو قدر الغريب أمام المتمسّك بالخرائط وصانع طوبوغرافيا الأمجاد. في كلمة بشارة، يمكننا أن نسمع “بْشَرِّي”، تمثال جبران ودجاج ماري بالنبيذ والأرز ومسكن عشتار. عشتار قلعة المستضعفين، وهي نوع من التحصين للقلب، ووعد بصيانة الأرض، والبشارة مزحة الربانيين للحالمين بالخلاص.

قبل التوجه إلى بلدة شاتين، ناحية قضاء البترون، كانت ماري قد أمدّتني ببعض الإرشادات: “نسكن بلعة تنّورين، أي قبل أن تصل إلى تنّورين. هناك ضيعة فيها بالوع شهير، ونحن فيها. زوجي يدعى جوزيف، وبيتنا على الطريق العام، وهو بيت من خشب. اتصل بي ما إن تصل، وسأنتظرك على الطريق، وسيأخذك زوجي في جولة. تعال باكراً”. ماذا كانت تقصد ماري بـ”باكراً”؟ ولماذا حرصت على زيارة ما أسمته بالبالوع. أَخبر الباب والعتبات، كما أعرف سؤال هولدرن: لماذا شعراء في زمن الرّداءة؟ التّبكير هو طفولة العالم الغابرة والبالوعة هي الزّمن، هوتة الكائن نحو عطش الحجر. من شرفة حديقة ماري، أطلّ على حوض النباتات وعلى وادي الجان، وماري تطبخ النصوص والمأكولات. ضيافة تنّورين، تشبه غواية نكت بشري ومتعة قراءة ترجمة “الجميلات النائمات” مع مقدمة ماركيز المعلومة.

كما أنّ هناك مدنا لها أبوابُ، توجد مدن كانت لها أبواب ولم تعد، لا تحتاج منّا خفة ولا خدعة لولوجها انسحاباً، كما تنسحب بزاقة داخل صدفتها. هناك مدن، وهناك مدن، وفي المدينة على الدّوام، كما في القرية، ومهما تستّرت، أناس يفضحونك وينكرونك ثلاث مرّات، قبل أن يصيح آخر ديك على قيد الحياة. كما أن المدينة، حتى تلك التي لم تحوّط بالأسوار، صارت لها أبواب قوانين الإقامة والتّرحيل. تشريعات الغرباء. يعتقدون أنّ المدينة هي مكان تحقيق العدالة الوطنية، عدالة السكان الأصليين أمام حبهم الملغوم للغريب وتلذذهم بهشاشته، ويخالونها تجربة جسدية للعبور نحو مدينة أخرى، كأنّهم ينسون مدى عمق غربتهم أمام أنفسهم، ويدّعون الشّعر في آخر اللّيل مراوغة، ويستحضرون أحلاهم المنسيّة في جوف الحفرة مثلما تستحضر الخرافة سبات النبي داخل بطن الحوت الكبير.