فاس و م ع///
تكرس الباحثة والفنانة اللبنانية غادة شبير، وهي مغنية أوبرا وأكاديمية متخصصة، مسارها العلمي والفني لدراسة وصون التراث الموسيقي المقدس، ولا سيما التقليد السرياني الماروني.
وفي حوار مع وكالة المغرب العربي للأنباء، على هامش مشاركتها في الدورة التاسعة والعشرين من مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة، استعرضت الفنانة مقاربتها الأكاديمية للتقاليد الغنائية العالمية، وطبيعة مشاركتها في المهرجان، فضلا عن الرسالة التي تحملها من خلال فنها، والمتمثلة في نشر قيم السلام والتقارب بين الشعوب في ظل ظرف إقليمي بالغ التعقيد.
1- بصفتك أكاديمية وباحثة، تدرسين عن كثب مجموعة واسعة من التقاليد الغنائية عبر العالم. كيف تنظرين إلى البعد الكوني للإنشاد الديني؟ وما الذي يمثله لك تقديم التراث السرياني الماروني ضمن هذا المهرجان؟
بحكم أبحاثي الأكاديمية حول الترانيم والإنشاد العربي وموسيقى العالم، أتابع باهتمام مستمر مختلف الأساليب الغنائية عبر العالم. وأدرس عددا من التقاليد الموسيقية المقدسة، سواء تعلق الأمر بالأناشيد الهندية أو الصوفية أو الإسلامية، أو بالتقاليد السريانية في الكنائس الأرثوذكسية والمارونية والكلدانية والآشورية.
ويشكل حضوري ضمن الأصوات النسائية المدعوة إلى تقاسم ثقافاتها مع الجمهور مصدر اعتزاز كبير بالنسبة إلي، خاصة عندما يتعلق الأمر بتقديم التراث السرياني الماروني في إطار هذا البرنامج الفني.
بالنسبة لي، تظل الموسيقى لغة عالمية. فبغض النظر عن الانتماء الديني أو الثقافي، سواء كان مسيحيا أو بوذيا أو سريانيا أو إسلاميا، فإن اللحن قادر على تجاوز الحدود والحواجز والتوجه مباشرة إلى الإنسان. ومن هذا المنطلق أشارك في هذا المهرجان لأتقاسم إرثي الثقافي وأتعرف في الوقت ذاته على تراث الفنانين الآخرين.
2- كيف تنتظم مشاركتك الفنية في هذه الدورة من المهرجان؟ وكيف يتجسد اللقاء بين رصيدك الغنائي وباقي التقاليد الموسيقية المقدمة؟
من المهم الإشارة إلى أن مشاركتنا لا تقوم على عرض جماعي مشترك أو على دمج مباشر بين مختلف التقاليد فوق الخشبة. فلكل فنان فقرته الخاصة التي يقدم خلالها رصيده الفني بشكل مستقل قبل أن يفسح المجال للفنان الموالي.
وبالتالي، لا يوجد عمل فني موحد يؤديه الجميع بشكل مشترك. إن اللقاء الحقيقي يتمثل في تعاقب هذه التقاليد والتراثات المختلفة على المسرح، حيث نتيح للجمهور فرصة اكتشاف تنوع هذه الموروثات الروحية والغنائية والتفاعل مع أصدائها المتعددة وهي تتوالى أمامه تباعا .
وهذه المقاربة القائمة على إبراز الخصوصيات المختلفة ضمن إطار واحد هي ما ندعو الجمهور إلى استكشافه والاستمتاع به.
3- تنحدرين من لبنان الذي يمر حاليا بمرحلة صعبة للغاية. ما هي الرسالة الأساسية التي ترغبين في إيصالها من خلال أناشيدك في إطار هذا المهرجان؟
في كل مرة أؤدي فيها الإنشاد السرياني، يكون هدفي الأول هو إيصال رسالة سلام، لأننا في أمس الحاجة إلى هذه القيمة اليوم أكثر من أي وقت مضى.
فلبنان يعيش حاليا ظروفا بالغة الصعوبة على المستويات الاقتصادية والأمنية والإنسانية، في ظل حالة من عدم الاستقرار والقلق المستمر. وعندما غادرنا للمشاركة في هذا المهرجان، كان يساورنا شعور بعدم اليقين بشأن ما قد يحمله المستقبل لبلدنا.
وأمام هذه التحديات، فإن القيم التي أسعى إلى التعبير عنها من خلال الغناء هي المحبة والسلام والأخوة والتقارب بين الثقافات. فالموسيقى تمنح الشعوب فرصة ثمينة للإصغاء إلى بعضها البعض، بما يعزز التفاهم المتبادل ويسهم في ترسيخ الانسجام والتعايش المشترك.