أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم من ذنوب كل من يعتبر الفن حراما, أو من يقول إن الغناء غير مسموح به في الإسلام, خصوصا وقد ابتلينا في الوطن الحزين ب"فنانين" لايستحقون حمل هذا الوصف, يخلطون الخلط الجسيم والفادح بين السقوط بكل مستوياته وبين الفن, ويعتبرون أن النزول إلى الحضيض أكثر فأكثر هو السبيل الوحيد لإثبات الفنية في بلد يتوفر على تلفزيون يؤمن تمام الإيمان أن الفن مرادف للعهر, وهذه مصيبة حقيقية بالفعل.

لا أتحدث فقط عن العهر الجسدي, ولكنني أتحدث عما هو أخطر: عن العهر الفكري والفني الذي يجعل الفنان قابلا لكي يصبح صوت من يدفع له أكثر, ولن أسقط في لعبة تعداد أمثلة من ارتكبوا لسنوات طويلة الكوارث التي أسموها ملاحم وسهرات فنية وطنية, مقابل أكياس من المال لا تنفذ, فقط من أجل تدبيج أغاني مدح رديئة للغاية, مغرقة في الإنشائية الكئيبة, ومؤلهة للإنسان بشكل يدفع إلى الرثاء. لا بل إننا رأينا في السنوات الأخيرة "فنانينا" أو من هم في حكم الفنانين لنا يتبارون على منصات السهرات الخاصة لتقديم "أمداحهم" الغريبة مقابل المال ولا شيء غير المالز

وحتى حينما حاولت الدولة أن تفتح نقاش الأغنية المغربية هذا وحالة التردي التي تحياها, اختزلها العباقرة المسيطرون على كل شيء في عدم وجود دعم للأغنية على غرار دعم المسرح والسينما, وحولوا النقاش عن مجراه السليم القائم على طرح السؤال: من يستطيع الإبداع فعلا من بين هؤلاء الأدعياء؟ إلى سؤال : كم ينبغي أن تعطي الدولة لهؤلاء الفاشلين لكي يضيفوا المزيد من آيات فشلهم إلى ريبرتوار محلي يرفض أن يعترف لهم بالأحقية في الوجود أصلا ضمنه, فالأحرى أن يناقش إبداعيتهم, أو أن يمر معهم إلى سؤال ما قدموه للحننا وغنائنا المحليين.

ولقد طرحت السؤال سابقا بخصوص دعم المسرح : هل يصنع المال الإبداع المسرحي؟ ولا أجد أي غضاضة في طرحه مجددا بخصوص الأغنية. أفهم أن يطالب أهل السينما بالمال, فسينما الوقت الحالي هي سينما تتطلب إمكانيات مادية هائلة, أما المسرح والأغنية فيتطلبان القدرة على الإبداع أولا, وتقديم الجديد الفعلي ثانيا, ثم "نهضرو على الفلوس" بعد ذلك إذا ماتوفر كل هذا. ولقد رأينا عددا لابأس به من المسرحيات الجميلة التي قامت دون ميزانيات ضخمة (تحضرني هنا تجربة لخبار فالمسرح الجميلة, وتحضرني تجربة الشامات وبوسلهام الضعيف وتحضرني تجربة شكير وتجربة الفحل الشرقاوي وتجربة الزيتوني وتجربة لطيفة أحرار الأخيرة وعدد آخر كبير من التجارب التي لم تتطلب ميزانيات ضخمة, لكن تطلبت بالمقابل إبداعا فعليا من أهلها), كما أن الأمر ذاته يصدق على الأغنية التي قدمت لنا أروع النماذج بميزانيات تقارب الصفر درهم أحيانا, ولن أتحدث عن القدامى لئلا يقول لي القائل "هادا وقت وهاداك وقت", ولكنني أستحضر تجربة الموسيقىى الشابة بداية سنوات الألفين حين كان الشباب في "كراجات" صغيرة قادرين على تقديم أغان هزت المغرب كله, وقدمت له جنسا موسيقيا حديثا تماما.

المسألة واضحة جدا: المبدع الحقيقي لا يحتاج المال لكي يبدع, بالمقابل الدعي الذي يدخل إلى ميدان الموهبة هذا دون التوفر عليها, يتحجج طيلة الوقت بإدواته مثلما يقول المثل الفرنسي عن الصانع السيء, والمؤسف في كل هذا الضجيج هو أن الله ابتلانا بتلفزيون _ يفترض فيه أن يكون الوسيلة الأولى لتشجيع الموهبة _ يشجع الرداءة ويخصها بكل اهتمامه وتقديره, ويحارب التجارب المتفردة, ويبحث لأصحابها عن الانتماء السياسي المعلن أو المضمر لكي يمنعها من الوصول إلى الناس.
في زمننا الحالي هذا ولحسن حظنا بكل صدق, يوجد شيء إسمه الأنترنيت, أصبح هو الوسيلة المثلى لكي تبحث عن الجودة وتسمعها وتراها دون حاجة لمن يمارس عليك رقابته المتخلفة والخائفة من كل جديد. إنه زمن "عليو الصوت" لكي يصل إلى كل مكان وفي هذا الزمن بالتحديد لا يمكن للرقابة أن تمنع الفن الحقيقي من الوصول إلى الناس في كل مكان, وهذا أجمل ما في الموضوع فعلا.