أنس العمري ـ كود//

طغى في خضم مشاورات تشكيل الحكومة نقاش حول استوزار عبد اللطيف وهبي، الأمين العام للأصالة والمعاصرة، من عدمه.

وهو اهتمام تباينت المواقف بشأنه. فبينما قفزت عليه الغالبية باستحضار قراءات مختلفة حول “البروفايلات” التي قد تكون حاضرة في لائحة عزيز أخنوش، والتركيز على الأجدر فيها لتقلد المسؤولية ، ظل السعي للتركيز على هذا الموضوع غير مفهوم بالنسبة للكثيرين، وطرحت بشأنه العديد من علامات الاستفهام والأكثر إرباكا فيها الرسائل المراد بعثها من خلال تخصيصه بهذا الاهتمام… فما يستغرب له في نظرهم هو الإصرار على إثارة مسألة استوزار وهبي والتأكيد على أهمية، بل وحتى على ضرورة وجوده في اللائحة، رغم ما صدر عن الشخص نفسه من موقف في هذا الصدد.

تحديات تنظيمية

لن نخوض أكثر في هذا النقاش لأن الأهم ليس ما يتطلع إليه من وراء إثارته، بل بخرجة وهبي. فما أعلنه بشأن رفضه تولي حقيبة وزارية في حكومة أخنوش، وتبريره ذلك، في تصريح إعلامي، بالاشتغال أكثر على تطوير الحزب في كل الأقاليم، وأن بناء آلية تنظيمية قوية يتطلب وقتا، قد يكون بالفعل أكثر راهنية في المرحلة المقبلة.

ف “الجرار”، ورغم احتلاله المرتبة الثانية في استحقاقات 8 شتنبر ودخوله التحالف الحكومي، وهي كلها نتائج جد مرضية للباميين، إلا أنه تواجهه تحديات تنظيمية تحتاج منه الكثير من العمل لإخراج الحزب من مرحلة “وقف التنفيذ”، والتي تبقى التوصيف الأكثر توظيفا عند الحديث عن وضعية “الاستثناء” التي يعيشها، والمتمثلة في تسييره بمكتب سياسي “مؤقت” وبمجلس وطني “معطل”. فبعد انتخاب عبد اللطيف وهبي أمينا عاما للأصالة والمعاصرة كان لزاما على الحزب عقد دورة للمجلس الوطني لانتخاب أعضاء المكتب السياسي، غير ذلك لم يحدث بعدما أجهضت جائحة (كورونا) كل محاولات انعقاده.. لكن مقابل ذلك، عقدت دورة استثنائية عن بعد، والتي جرى فيها، أخيرا، مناقشة نقطة فريدة  تتعلق بمستجدات الساحة السياسية، والمتوجة بالإعلان عن المشاركة في الحكومة.

تركة ما قبل وهبي

باستعراض هذه المحطات تتضح الصورة شيئا ما عن إعطاء الأمين العام ل “البام” أهمية أكثر للتنظيم في هذه الفترة. لكن لإدريس قصوري، الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي، قراءة أخرى حول خلفيات هذا الاختيار. فبالنسبة إليه، حسب ما أكده في تصريح ل “كود”، يربط إيلاء الأهمية للتنظيم في هذه المرحلة ب “القطع مع تركة ما قبل وهبي”، مضيفا، في هذا الصدد، “رجوعه للوراء في هذا التوقيت أقرأ فيه ذكاء منه.. رغم أنني أستبعد عنه ذلك لأنه معروف عنه أنه مندفع.. فخطوته فجائية وغير منتظرة كشخص وكفكر ومنهجية، لكن إذا تحققت الأهداف المسطرة،  ربما، لها، حسب ما أقرأه في هذه التحركات، فإنها ستقدم صورة أخرى حوله”.

وزاد موضحا “وهبي تسلم الحزب في ظرفية صعبة.. انتقالية للقيادة وفي رؤية ومنهجية الأصالة والمعاصرة. كما أنها جاءت في سياق التحضير للانتخابات، والتي أعطى لها الأولوية. وهنا غامر لكنه نجح في رهانه واختياره. لأنه لو راهن على تفعيل التنظيم سيكون على حساب التحضير لهذه الاستحقاقات.. وبذلك سيترجم هدف بناء تنظيم قوي ولكن النتائج لن تكون في مستوى التطلعات”، ليمضي شارحا “الاختيار الذي أقدم عليه أعطى النتيجة التي نراها اليوم.. وإعلانه عن عدم رغبته في الاستوزار وتركيز الاهتمام على الحزب وتقويته تنظيميا في أفق ولاية أخرى، يظهر ربما أن لديه طموح أكبر”.

طموح أكبر

في هذا الإطار، قال إدريس القصوري “اختيار وهبي عدم الاستوزار ربما باش ما يتحركش في الحكومة، لأن وزراء فريق سعد الدين العثماني كانوا مستهدفين من طرف الرأي العام والإعلام. فإذا دخل الحكومة ستكون الأضواء مسلطة عليه بشكل أكبر.. وبالتالي سيسهل النيل منه داخل الحزب والتنظيم”، مضيفا “ربما طموحه كبير في رئاسة الحكومة.. لهذا عاد للاشتغال في القواعد التنظيمية. لأنه إذا استوزر فسيكون معرض أكثر للهجوم.. وسيكون مضغة للإعلام لأنه كثير الكلام ولديه عقلية مختلفة”.

ومضى موضحا “يريد أن يحافظ على سجله جيدا ويحصن نفسه وحزبه في سبيل أن يحقق ذلك الطموح الكبير ..، وذلك في تكرار لتجربة الأحرار والعمل الذي قام به في فترة حكومة سعد الدين العثماني”.

وأكد إدريس قصوري أن “الصورة المشكلة عن (البام) هو أنه آلة انتخابية، بمعنى أنه ليس له وزن اجتماعي.. لهذا، ما يحتاجه حاليا هو أن يصلب قليلا عوده، بأن يوظف هذه الآلة الانتخابية في تعميقها وتجذيرها في المجتمع تنظيميا، ويعمل من القاعدة… في الحكومة يتابع تسيير الشأن العام ويشتغل ويؤمن مصالح عليا ضرورية في هذه المرحلة، وفي نفس الوقت يشتغل على أن تكون لديه قاعدة ومرجعية لتكون لديه امتدادات حتى يتدارك تلك السطحية المتركزة في الآلة الانتخابية المشكلة من الأعيان والرموز”، موضحا “إذا استطاع النجاح في هذه المهمة، غادي يكون جذر الحزب في أفق الاستمرار ويجعل الضربات التي سيتلقاها في الحكومة  خفيفة، ويخلق البديل”.