محمد الساسي///

كان رمضان هذه السنة، ككل السنوات السابقة، مناسبة برز فيها بشكل أجلى وأظهر وأجزل :
– الإقبال على الصلاة والتردد على بيوت الله؛
– تقديم البرامج الدينية في وسائل الإعلام العمومية والخاصة؛
– خوض النقاشات الدينية؛
– اشتداد الاهتمام بالدين والتشبت به؛
– استعراض صفحات من تاريخ الإسلام وما حفل به من فصول مشرقة؛
– التأكيد على مكانة الإسلام في المجتمع وفي الدولة؛
– الاعتزاز بالمكون الإسلامي في تركيبة الهوية المغربية؛
– تداول المعلومات التي تثبت أهمية الصوم بالنسبة إلى جسم الإنسان.
ولكن حلول هذا الشهر الأبرك في فصل الصيف كان يفرض علينا، أيضًا، إيلاء المزيد من الاهتمام لسؤال العلاقة التي يجب أن تقوم بيننا، كمسلمين، وبين النص الديني، ولنقف، مرة أخرى، على حدود القراءة الحرفية للنصوص وعجزها عن معالجة الإشكالات التي يطرحها اختلاف ظروف الزمان والمكان.
التوقيت المعتمد للصيام، في المتن القرآني، هو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. جاء في الآية 187 من سورة البقرة : “وكُلُوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أَتِمُّوا الصيام إلى الليل”. وجاء في الآية 185 من نفس السورة : “فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أُخَر”، إلا أن بعض الظروف الزمانية أو المكانية تفرض علينا، أحيانًا، البحث عن حلول خارج القاعدة المقررة في القرآن الكريم وإعمال بعض الاستثناءات التي تجد أساسها في القاعدة الشرعية القاضية بأن لا تكليف بمستحيل والتي يعبر عنها القرآن الكريم من خلال ما جاء في الآية 286 من سورة البقرة، حيث قال تعالى “لا يكلف الله نفساً إلا وسعها” وفي الآية 78 من سورة الحج، حيث قال عَزَّ وجَلَّ : “وما جعل عليكم في الدين من حرج”.
في الدوائر القطبية من كوكب الأرض، يمتد النهار لستة أشهر ويمتد الليل لستة أشهرأخرى، وتظل الشمس فوق الأفق طوال أشهر الصيف وتحت الأفق طوال أشهر الشتاء، ويبدأ الشروق، في القطب الشمالي، حوالي 19 مارس من السنة، ثم يحل الصيف، وبعد ذلك تبدأ الشمس رحلة الاختفاء التدريجي وتشهد المنطقة بداية الغروب حوالي 24 شتنبر.
وفي مدينة سانت بطرسبرج، التي يعيش فيها نحو 50 ألف مسلم، بشمال روسيا، لا يكون هناك غروب للشمس على امتداد بضعة أسابيع فيعيش الناس سلسلة من “الليالي البيضاء” المعروفة بظاهرة “تولجا”.
وبناء عليه، قضت بعض الفتاوى بأن المناطق التي ليس فيها ليل ولا نهار، حيث يتم الانتقال من “النهار” إلى “الليل” بعد ستة أشهر، يجب على المسلمين، الذين قد يوجدون بهذه المناطق، أن يعمدوا إلى تقدير وقت صيامهم ووقت صلاتهم (مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين 321/19) ويعني ذلك أن يلجؤوا إلى نوع من التوزيع الزمني الاعتباري أو الحكمي للنهار والليل.
وفي آيسلندا، تصل، أحيانًا، فترة النهار إلى 22 ساعة، ويوجد بهذه البلاد حوالي 770 مسلماً، ولهذا تبيح بعض الفتاوى قصر الصوم قياسًا على صلاة التقصير، ولا ترى ضرورة لامتداد الصوم 22 ساعة في اليوم لما في ذلك من مشقة بالغة.
وفي شمال السويد، لا تغيب الشمس، في الصيف، إلا لبضع دقائق ثم تعود إلى الظهور مجددًا فيكاد يمتد الصوم العادي يومابكامله ، ولهذا توزع المسلمون، هناك، بين :
– من يباشر الصيام اعتمادًا على توقيت البلد الأصلي الذي ينحدر منه؛
– من يباشر الصيام اعتماداً على توقيت مدينة (مالمو) ذات مدة الصيام الأقصر في البلد، بحكم موقعها في أقصى الجنوب السويدي؛
– من يباشر الصيام اعتماداً على توقيت مكة المكرمة أو تركيا بحكم كون هذه الأخيرة هي الأقرب إلى شمال أوروبا؛
– من يصوم بناء على فتوى تفرض الالتزام بالصوم خلال فترة النهار كاملة مع السماح لكل من يشعر بقدر من المشقة يمنعه من العمل بأن يفطر ويقضي دينه في وقت آخر.
وفي فنلنـدا، تمتد فترة النهار لمـا يقارب 21 ساعـة ولا يتعدى زمـن الإفطار 3 ساعات.
وهكذا يتجلى لنا أن الالتزام بالقراءة الحرفية للنصوص الدينية غير ممكن، أحياناً، حتى بالنسبة إلى بعض النصوص التي لها علاقة بالعبادات، الملزمة لجميع المسلمين، فأحرى بالنسبة إلى تلك المتعلقة بالمعاملات، ونحن مضطرون، في أحوال كثيرة، إلى اعتماد قراءة تأخذ بعين الاعتبار اختلاف الظروف التاريخية والزمانية والظروف الجغرافية والمكانية. وكل من يقول بالقراءة الحرفية لا يستطيع أن ينجو من مطب الانتقائية فهو عندما يدرك أن بعض النصوص، اليوم، لا يمكن أن تطبق حرفيًا، ويقبل بوجود استثناء، يكون، عملياً، قد هدم الأساس الذي بنى عليه منهجه الأصلي، إذ يكفي أن يعترف بوجوداستثناء واحد لكي يصبح رفع لواء القراءة الحرفية فعلاً معطوبًا ومنطوياً على نوع من التناقض.
مشكلة تعذر تعميم الصيام، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، على كل مناطق أو أصقاع العالم، تبين أن الأحكام التي جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، خاطبت سكان الجزيرة العربية، منذ أربعة عشر قرناً، باللغة التي يفهمونها، وبمراعاة الظروف المناخية والطبيعية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يعيشون فيها. لم تقدم الأحكام، المشار إليها، أجوبة تفصيلية تهم كل القضايا التي ستُطرح على المسلمين في مختلف أماكن تواجدهم وعيشهم، مستقبلاً، وأصبح على المسلمين أن يلائموا المقتضيات، الواردة في القرآن والسنة، مع تطور الأحوال والظروف وامتداد رقعة الأمكنة والمناطق التي سيصل إليها الإسلام.
حركات الإسلام السياسي المتطرفة تعتبر بأن أية محاولة لتجنب القراءة الحرفية للنصوص تعني بذل تنازل استراتيجي لأعداء الإسلام وإسداء خدمة إليهم وفتح باب هدم الإسلام على مصراعيه، ولهذا فإنها تتمسك بالصياغة الأصلية للأحكام الدينية حتى ولو كانت، اليوم، مستحيلة التطبيق بسبب ظروف واقعية، أو بسبب التزامات المسلمين الحالية مع غيرهم وتقيدهم بواجب المعاملة بالمثل، أو بسبب تطور المعارف والاختراعات والعلوم، أو لغير ذلك من الأسباب الوجيهة. هذه الحركات تفضل ركوب منطق المزايدة، والابتعاد عن الواقعية، وتسويق الأوهام، وانتظار المعجزات، والكفر بأوجه عدة من أوجه الحضارة الحديثة، والاعتقاد بإمكان عودة العالم إلى الوراء.
وحركات الإسلام السياسي “المعتدلة” تشكو، أكثر من الحركات الجهادية والمتطرفة، من عدم انسجام مشروعها السياسي، فهذه الحركات “الوسطية” تطالب، هي أيضاً، بـ”تطبيق الشريعة”، ولكنها ترفض، أحياناً، إعمال القراءة الحرفية للنصوص، وتقبل مثلاً، ولو ظاهريًا، بتحريم الرق، وبمنع ملك اليمين، وبعدم تطبيق الحدود، وبالتخلي عن الجهاد، في غير حالات الدفاع الشرعي، ولكنها، في قضايا أخرى تتشبث بحرفية النص (إباحة تعدد الزوجات – تحريم المعاملات البنكية- الإبقاء على عدم المساواة بين الرجل والمرأة في الإرث وفي عدد من الحقوق الأخرى…إلخ)، رغم أن الاعتبارات التي أملت عليها قبول المواقف التي قبلتها هي نفس الاعتبارات التي يمكن الاستناد إليها لقبول ما لم تقبله إلى حد الساعة.
ولتبرير الانتقائية، عمد الكثير من الحركات الإسلامية إلى التصريح بأن تمسكه بحرفية النصوص، في قضايا معينة، يكون اعتمادا على ما حسم فيه “أهل الاختصاص”، ويكون بصدد نصوص “قطعية الدلالة”، ولكنه، هو نفسه، من يختار أهل الاختصاص الذين يناسبون تفكيره ويتجاهل مواقف أهل اختصاص آخرين، وأنه، هو نفسه، من يميز النصوص قطعية الدلالة عن غيرها، ويحاول الإيحاء بأن ما هو قطعي الدلالة في زمن معين سيظل كذلك دائماً.
حركية التنوير والتجديد الديني، التي تحتاجها مجتمعاتنا، لا تهدف إلى إهمال النص الديني، بل إلى إعادة قراءته قراءة عقلانية، مقاصدية، تاريخية، وتأويلية، حتى نكسب رهان التقدم، وحتى لا يَبْدُوَ، لنا، من المقبول، مثلاً، أن يفتي أحدهم بأن على أي مسلم، في أية نقطة من العالم وفي أي موسم حَلَّ فيه رمضان، أن يصوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس!
جريدة “المساء”
23 يوليوز 2015
العدد 2740 الصفحة 07

ملاحظة : وقع تعديل في آخر جملة من النص، فهي لم ترد، هنا، بالصيغة الأصلية التي نُشرت بها في الجريدة. اعتبرنا الصيغة الجديدة أفضل.