عشية انتخابات 25 نونبر 2011، توصل المغرب بأربع هدايا.
الهدية الأولى: كانت من إحدى أكبر الشركات العالمية، ألا وهي شركة بومبارديي التي قررت صرف شيك أولي بقيمة 160 مليار سنتيم لبناء مصنع بضواحي الدار البيضاء مختص في صناعة الطيران. وهو غلاف كان مقررا برمجته في تونس أو مصر.
ومع ذلك قررت هذه الشركة العملاقة توطين مصنعها بالبيضاء رغم أن مؤشرات التنمية البشرية بتونس ومصر أحسن من المغرب (تعليم- صحة- أمد الحياة- الربط بالماء…) لكن ما فتح شهية بومبارديي هو هذا المسار الهادئ الذي تتم فيه التحولات بالمغرب منذ عام 2000 وثقتها في نظام سياسي قادر على إدارة الأزمات بليونة وسلاسة.
الهدية الثانية كانت عبارة عن ربح المغرب لـ 20 نقطة في ترتيب (doing busniness) بخصوص مناخ الأعمال وتحسن بيئة الاستثمار وعدم الخوف من المقامرة في المغرب. علما أن هذا الترتيب الصادر عن البنك العالمي يعد بمثابة «إنجيل» كل المستثمرين الدوليين الراغبين في تحويل أنشطتهم أو توسيعها عالميا.
أما الهدية الثالثة التي حصل عليها المغرب، قبيل اقتراع الجمعة، فتكمن في الحدث الديبلوماسي الذي احتضنته الرباط بترؤس الملك لحفل توقيع اتفاقيات استثمارية بحضور أمير قطر حمد بن خليفة آل ثاني وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان ووزير مالية الكويت جاسم الشمالي، وهي دول- كما يعلم القاصي والداني- أضحت تلعب أدورا أكبر من حجمها الجغرافي والديمغرافي. وبالتالي فاختيار قادة هذه الدول الخليجية ذات البصمة الواضحة فيما يجري بعدة بقع عالمية، التوقيع على عقد الشراكة مع المغرب، قبيل بدء الاقتراع بسويعات، معناه توجيههم ميساجا مفاده: «أننا هنا للدعم، أحب من أحب وكره من كره».
وأخيرا تبقى الهدية الرابعة المتمحورة حول توقيع المركز المالي للدار البيضاء اتفاقية التوأمة مع المركز المالي لسنغافورة، وهو من بين المراكز المالية الأكثر شهرة في العالم.
وهي اتفاقية تبين أن صناع القرار المالي بالعالم ليسوا سذجا لقبول «احتضان» مركز الدار البيضاء، رغم أنه في طور النشأة والتبلور، لولا يقينهم بأن المركز المالي أنفا سيكون قطب الرحى بإفريقيا وجنوب حوض المتوسط، بفضل حصول المغرب على صفتين: صفة الوضع المتقدم مع الاتحاد الأوربي من جهة، ثم حصوله على صفة الدولة ذات الانتقال الديمقراطي الواجب منحها الدعم المالي مثلها مثل تونس ومصر والأردن، حيث قرر قادة الدول الأكثر تصنيعا (قمة G8 بفرنسا) تخصيص أزيد من 80 مليار دولار كدفعة أولى لهذه الدول العربية الأربع الحديثة العهد بالديمقراطية.
ما القصد من سرد كل هذه «الهدايا»؟
الجواب بسيط، ويتعلق بالبؤس الفكري لنخبتنا السياسية ولأحزابنا؛ إذ في الوقت الذي ينبغي تسليط الضوء على الرهانات الجيوسياسية التي تتهيأ الآن عالميا، والبحث عن أنجع السبل لتكثيف فرص استفادة المغرب منها، نرى الأحزاب الفائزة في اقتراع 25 نونبر تنزل بالنقاش إلى أسفل سافلين وتكرار اسطوانة «نحن والدولة» والحال أن الدولة هي الأحزاب والشركات والجامعات والمستشفيات والمحاكم والشواطئ والمقابر والمآثر والمصانع والبوليس والعسكر والخيريات والمساجد ومراكز التسوق و….و…
فهل سيكون بنكيران في مستوى اللحظة ويربح الرهان بتشكيل حكومة دولة، وليس حكومة عائلات أو حكومة طائفة (SECTE)؟ هل سيقدم الهدية الخامسة للمغرب والمغاربة بعد أسبوعين تكون عبارة عن تشكيلة وزارية متجانسة مملوءة بالرغبة في الرفع من وتيرة الإنجاز والمردودية، أم سياتي بوزراء لا هم لهم سوى أن تزداد «الشحمة» في بطونهم بدل أن يزداد الناتج الداخلي الخام للبلاد؟
عبد الإلاه بنكيران أمامه اليوم ضربة جزاء مصيرية: إما أن يسددها بنجاح أو «يزكلها». فما تحقق اليوم، لم يكن يحلم به لا عبد الرحمان اليوسفي ولا جطو ولا عباس الفاسي لما عينوا وزراء أولين (رضى دولي، دعم خليجي، دفق استثماري أجنبي أت عما قريب).
فها هي «العصيدة» يا بنكيران، ضع يدك فيها، وقل لنا هل هي باردة أم «سخونة»؟
افتتاحية العدد 450 تنشر في “كود” باتفاق مع الكاتب الخميس 1 دجنبر 2011