حميد زيد – كود//
مؤسف حقا كل هذا الهجوم على الفساد.
وكل هذا الهدم للبنايات. وللقصور. ولدور الضيافة. وللمعامل. والمستودعات.
وكل هذا الحرص على تطبيق القانون بحذافيره.
وكل هذه الاعتقالات. والمحاكمات. للفاسدين.
إذ إنه وفي فاس لوحدها تم الزج بمعظم النخبة السياسة لهذه المدينة في السجون.
وفي كل يوم يسقط واحد.
والخوف كل الخوف أن تنقرض النخبة في فاس ونواحيها ولا يبقى إلا المواطنون.
و من سيسير المدينة حينها.
ومن سيخدم الناس.
ومن سيمنح رخص البناء.
فالفساد كان معنا في المغرب دائما. وفي البيت. وفي المدرسة. وفي المستشفى. وفي المقاطعة. وفي المحكمة.
وفي العقل.
وفي الروح.
وفي الخلايا. وفي اللغة. وفي المائدة.
كان الفساد واحدا منا.
كان في دمنا.
ولا ينكر إلا جاحد فضل الفساد في تقدم المغرب. وفي كثير من الإنجازات والانتصارات التي حققناها.
ثم نأتي فجأة ونقرر محاربته. والنيل منه. وفضحه أمام الملأ.
و أ ليس هذا ظلما.
أ ليس تخليا عن جزء لا يتجزأ منا.
وعن شيء عاش معنا في السراء والضراء.
وقدم لنا خدمات جليلة.
و مع أن كلفة الفساد ليست كبيرة. حسب الأرقام الرسمية. فقد قررنا مع ذلك القضاء عليه.
والتخلص منه.
والتعامل معه بحدة. وبصرامة.
ودون أن نمنحه مهلة.
ودون أي تحذير. أو إخبار.
ودون أي فترة انتقالية كي يتخلص الفاسد من فساده.
ومع أن وزير العدل عبد اللطيف وهبي قال إن الفساد لا يٌرى. وتحدى أي شخص ادعى أنه رآه بأن يعكّر له. بالعكر الأحمر الفاسي.
إلا أننا ماضون رغم ذلك في الهدم.
وفي الاستعانة بالجرافات. وبالرافعات والبلدوزرات.
ولا أحد منا يستمع إلى هذا الوزير العاقل. والحكيم.
ولا أحد يقدر قيمة الفساد. والأيام الجميلة التي قضيناها برفقته.
وقد يكون لنا موقف من الفساد.
لكن من المستحيل أن ننفي كل هذا هذا التاريخ المشترك الذي يجمعنا به.
وكل الأدوار التي قام بها لصالحنا.
وبحركة بسيطة.
وبغمزة.
وبوضع الكف في الكف.
و بقهوة.
كانت تنجز أعمال كبيرة.
وتحل مشاكل تستعصي على الحل.
وكانت حياة المغربي سلسة. و الحكومات تتعاقب. والناس يتوالدون. دون أن يؤذينا الفساد.
ودون أن يؤثر سلبا على اقتصادنا.
وعلى توازننا.
وعلى قدرتنا على المنافسة.
فهل هذا هو جزاء الفساد.
هل هذا هو ما يستحقه منا.
هل هكذا يتم التعامل مع من اقتسمنا معه الحلو والمر.
هل هذه هي الطريقة التي يكافىء بها المغاربة شيئا كان منهم.
وفيهم.
و كان ييسر حياتهم.
ويسهل عليهم كل التعقيدات.
لذلك
وكلما رأيت سورا يهدم وسقفا يسقط
وفاسدا يسجن
أتألم
وأعتذر للفساد
وأتضامن معه
وأ تساءل من أين لنا بنخبة جديدة
و بعمران جديد
إن نحن استمررنا في هذه الحرب الظالمة
وفي هذا التطرف في محاربة الفساد
ولن نكتشف كم نحن محتاجون إليه
وكم هو ضروري لنا
وكم هو منا
وكم نحن ظلمناه واعتدينا عليه
إلا بعد أن يأتي ذلك اليوم الذي سنقضي فيه عليه
وهو يوم لن ينفع فيه الندم
وسوف ينادي الواحد منا على الفساد
وعلى الفاسد
ولن يستجيب له
و سيجد فيه المغربي نفسه وحيدا
أمام القانون بوجه الصارم والعابس
ولن يستطيع أن يغمزه
ولا أن يضع يده في جيبه
ولا أن يتجاذب معه أطراف الحديث
ولا أن يضحك له
ولا أن ينفحه بأي شيء.
فماذا أعددنا لذلك اليوم
وهل نحن مستعدون له
وللعيش في مغرب جديد
خال من جزء لا يتجزأ منا
وكل واحد منا له ذكرى جميلة معه
وهي بمثابة الأخ
والأب
والأم
والصديق لنا
وكل واحد منا له حياة كاملة
مع رفيق درب اسمه الفساد.