لشارع الشجر مع البيضاويين حكاية خاصة من نوعها, فهو الشارع الوحيد في العالم _ قبل الشانزيليزيه بكثير _ الذي يمكنك أن تجد فيه كل ماتريده. عندما نقول كل ماتريده لانقوله مجازا, ولكن نقولها حقيقة لمن جال كازا قليلا وعرف بعضا قليلا من أسرارها الكثيرة التي تعطيك الوهم أنها تمنحك إياها دفعة واحدة _ خصوصا إذا كنت وافدا عليها _ قبل أن تكتشف مع توالي الأيام أنك "كتعرف النبك" عن هذه البادية الغول التي تحولت إلى مدينة قسرا وضدا على منطق قد يوجد في العالم.
في شارع الشجر, توجد المحلات التجارية, يوجد الناس, السكان وغير السكان, توجد الأسواق التي تباع فيها كل الأشياء. يوجد الحراكة الراغبون في تسلق الحافلات الدولية التي تخرج من هناك. توجد الدعارة المنظمة, وتوجد الأخرى التي تنبت بعد منتصف الليل بكثير في جنبات الطرق. في شارع الشجر يوجد أكبر عدد ممكن للكرابة في مكان واحدو بحيث يمكنك أن تشتري ماتيسر من الخمريات متى شئت ذلك, بل وحتى "فالليلة ديال سبعة وعشرين يلا كنتي صكع نيت". في شارع الشجر توجد "الحشائش" العادية, المخدرات وليس ربيع الأرض, وتوجد معها الغبرة والهيروين و"اليباري" وكل الطرق التي تؤدي إلى روما "التبواق". في شارع الشجر يوجد السلفيون, والأكثر سلفية منهم والعدليون واليساريون القدامى ممن لازالو يغنون إلى يوم الناس هذا "إشهد ياحزيران في يومك العشرين", ويبكون خصوصا إذا احتسوا خليطا مما يباع في شارعهم الشهير.
في شارع الشجر يوجد السوق الذي يبيع الخضر والفواكه بالثمن العادي, وخلفه مباشرة يوجد سوق يبيع نفس الخضر والفواكه "بعد التعديل" بثمن بخس مثير لكل أنواع الشبهات. في الشارع أيضا كان يوجد ذات يوم "مول السوسيط" الشهير الذي أكلت عنده الدار البيضاء الكبرى وعلاماتها كثيرا, وتلمظت واستطابت ماأكلته وقالت له وهي تؤدي الثمن "الله يعطيك الصحة, سوسيط بنين", قبل أن تتناقل الجرائد والتلفزيونات خبر الكلاب والحمير التي "استشهدت" من أجل أن يأكل كل هؤلاء البيضاويون ويتلذذوا بطعم ماأكلوه. في شارع الشجر الحياة المغربية باختصار من المسجد الذي يضيق بمرتاديه كل جمعة فيخرجون إلى الشارع, إلى لحظات "التعربيط" الشعبية والجميلة التي يتفرج عليها السكان من النوافذ وهم متأكدون أنها ستنتهي نهاية مضحكة في "الكوميساريات أو السبيطارات" اللهم في حالات استثنائية تتطور فيها الأمور إلى الأسوء, ويعيش الشارع حزنا كبيرا لفقدان واحد من أبنائه وذهاب الآخر إلى السجن. شارع الشجر هو "كازا" الصغرى في الختام, لذلك وحين اختارت 20 فبراير أن تنقل إليه _ هي أو من يتحكمون فيها من تنظيمات _ مظاهراتها الأسبوعية, توقع الكثيرون الأسوء وقالوا "ناري قفارت". سوى أن سكان شارع الشجر كان لهم رأي آخر مخالف تماما. في اليوم الأول راقبوا الشعارات التي تتردد, ورأوا مشهد القادمين من أجل الصراخ. انتهت الجولة الأولى بشكل عادي للغاية. بعدها قرر الناس أن يضعوا حدا لفرجة لم ترقهم كثيرا.
هم يقولون إنهم غير معترضين على التظاهر في حد ذاته, بل يؤكدون أن من بينهم الكثيرين ممن ينزلون كل أحد إلى نيفادا أو درب عمر حيث يكون الموعد مضروبا للتظاهر أسفل المدينة. احتجاجهم الواحد والوحيد هو أن الشارع يتنفس البيع والشراء ليل نهار, وأن تظاهرات الأحد التي قررتها العدل والنهج وتنظيمات العشرين هي تظاهرات تحرمهم من رزقهم ذلك اليوم, مثلما تحرم السكان من الطمأنينة وهم يرون مشاهد الجري بين البوليس وبين المتظاهرين, لذلك قرروا في وقت سابق أن يقولوا للمتظاهرين "بعدوا من الشارع ديالنا وسيرو ديرو مابغيتو". المشكلة هي أن العشرين لم تفهم أن لاقاعدة شعبية لها تسمح لها بالوقوف في شارع الشجر بكل اعتداد.
الناس لايثقون هناك بالشعارات. يعرفون أن من يردد في وجهك شعارا ساخنا أو كبيرا, هو في نهاية المطاف كاذب بالتأكيد, ودليلهم كثرة من تناوبوا عليهم وكذبوا عليهم لسنوات طويلة. لذلك يفضلون الانصراف لحياتهم اليومية التي ييلزمها الكثير من الرتق لكي يتم ستر كل عيوبها, لفرط الفقر والحاجة ولكثرة الأفواه التي تنتظر "شدق ديال الخبز, عاد تقدر تفكر ليك فالاستبداد واش كاين فالمغرب ولا والو".
المصيبة هي أن الدولة هي الأخرى أعجبتها لعبة شارع الشجر, ويوم الأحد الفارط قررت هي الأخرى أن تعيد اكتشاف الشارع من جديد ليس عبر هراوات البوليس مثلما فعلت سابقا, ولكن عبر وضع مؤيديها ومؤيدي الدستور لخيامهم وراياتهم وحفلاتهم الشعبية في الشارع. في هذه اللحظة بالتحديد فهم سكان شارع الشجر أن "الشغل حماض" حقا, وأنهم ملزمون بالبحث عن حي بديل يرحلون إليه ويتركون هذا "الميدان الشعبي الجديد" للراغبين في التواجه فيه.
شارع الشجر قصة مغربية من الطراز الأول تصلح للسينما أو فضاء لرواية حقيقية, لكنها أساسا اليوم ميدان يعذينا الدليل كمغاربة أن لا العشرين ولا الدولة يعرفون إلى أي شعب يتحدثون, وإلى أي ناس يتحدثون. هذه هي الحكاية, وبعدها وقبلها وداخلها ستظل الحياة تنبض في شارع الشجر إلى آخر الأيام دون حسابات سياسية غبية للغاية من الطرفين للأسف الشديد.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
سيكون صعبا على المغاربة الذين صوتوا بكثافة على "نعم" أن يفهموا التبريرات التي تعطى لهم من جهات معارضة كثيرة في المغرب – والحمد لله أن المعارضين أصبحوا أكثر من الهم على القلب لأن معارضة هذه الأيام لاتكلف صاحبها شيئا – عن الاستفتاء وعن الأجواء التي مرت فيه وعن "التزوير" الذي يتحدثون عنه. الكل شاهد، والكل راقب، وكان واضحا من البدء أن الكفة تميل لنعم وأن أقلية هي التي اختارت المقاطعة هربا من معرفة حجمها الحقيقي في الشارع، لكن كل هذا لايهم المزايدين. الأساسي هو أن يجد الإنسان مايقوله أمام كاميرات القنوات الأجنبية، وماعداه تفاصيل في تفاصيل