حميد زيد – كود//
تأتي السردينة إليك في رواية “بيوغرافيا الجوع” للكاتبة البلجيكية أميلي نوتومب. وتقول لك خذني إلى اليابسة.
أنا لك. دون مقابل.
وليس بخمسة دراهم. وليس بأربعة. كما يردد ذلك الشاب المراكشي.
بل مجانا.
فقط خذني معك. تقول السردينة.
و ليس هذا فحسب.
بل إنها تهيء نفسها لك. ومن تلقاء نفسها تستلقي على صخرة ملتهبة.
وتغمز الشمس. فتلعب هي والصخرة دور الشواية. في تواطؤ جميل.
ثم تصبح السمكة جاهزة وتقول لك: كلني. هنيئا مريئا.
ومن يكذبني فليدخل إلى الجزيرة في الرواية. وسيجد السمكة.
وسيجد شجرة جوز هند. وبمجرد وقوفك تحتها. تسقط عليك ثمارها.
وسيجد حيوانات لا تكف عن الصراخ حتى تأتي وتشرب الحليب من ضرعها.
وقد يحتج علي أحدكم ويقول هذا كله يحدث في الرواية وفي الخيال.
فلنعد. إذن. إلى الواقع. وإلى الماضي المغربي الجميل.
حين كانت السردينة ترقص في الإشهار على إيقاع الشعبي.
وتتلوى.
ضاغطة على خصرها بحزام من شريحة ليمون.
مثيرة.
مبتسمة للمواطن.
عارضة عليك أن تفتح علبتها. و تلتهمها. وكل هذا بثمن بخس. ولا يتعدى الخمسة دراهم.
فهل هذا خيال أم واقع ملموس.
أما في الدار البيضاء فقد كانت هناك حانة مفروشة أرضها بنشارة الخشب.
كي لا يزلق فيها الناس. ولا يقعون على رؤوسهم.
وكانت هذه الحانة تقدم لك مع كل ستورك ما تشاء من صحون الأسقمري والسردين المقليين. حتى تنتفخ بطنك.
و إذا كنت زبونا ويعرفك النادل.
فيمكنك أن تأكل ما تشاء دون حاجة إلى أن تشرب.
وبأقل من خمسة دراهم.
وكان الناس يذهبون إلى تلك الحانة ليتناولوا غداءهم بأرخص ثمن.
لا ليسكروا.
لكن يبدو أن المغرب تغير كثيرا.
ولا السمك صار يرقص لك.
ولا الدجاج.
ولا البقر.
وكل الحيوانات في البحر. وفي البر. أصبحت مكشرة عن أنيابها. ومتجهمة.
ومتعجرفة.
و من معاناة المغاربة في الفترة الأخيرة.
ومن اضطرارهم إلى أن يصبحوا نباتيين.
فقد أصبحوا مستعدين للسفر إلى مراكش ليروا المعجزة بأم أعينهم.
و ليخرجوا من البحر إلى اليابسة. وليشتروا السردين بدراهم معدودة.
بينما تجار السمك في الدار البيضاء. وفي كل المدن الشاطئية. لا يصدقون ذلك.
ويكذبون البائع المراكشي. ورسالته.
وقد جاء في كتاب خريدة العجائب وفريدة الغرائب لابن الوردي أن هناك سمكة “تطفو على وجه الماء. فإذا رأت حيوانا من دواب البحر قد فتح فاه. تدخل في فيه. و تصير غذاء له”.
وربما هي هذه التي يبيعها ذلك الشاب في مراكش.
وبعد أن رأت أفواهنا مفتوحة بسبب الغلاء.
وبسبب ارتفاع أسعار اللحوم.
خرجت من البحر
وقالت له أريد أن أدخل أفواه المغاربة كي يشبعوا.
ليبيعها لنا بائع السمك المراكشي بخمسة دراهم. بعد أن حصل عليها دون مقابل.
وقد كان السمك في الماضي قريبا من الإنسان.
و متاحا.
وليس كما هو الحال اليوم.
وكان لا يخلو صيده من المفاجآت. وقد تشتري سمكة. ثم وأنت تنظفها.
تجد بداخلها لؤلؤة.
أو امرأة.
كما حدث لسلام الترجمان “رسول الخليفة إلى ملك الخزر. قال: لما توجهت من عند الخليفة إليهم. أقمت عندهم مدة فرأيتهم يوما قد اصطادوا سمكة عظيمة. فجذبوها بالكلاليب والحبال. فانتفخت أذن السمكة. فخرجت منها جارية بيضاء. طويلة الشعر. سوداؤه. حسنة الصورة. طويلة القامة كأنها القمر البدر. وهي تضرب وجهها. وتنتف شعرها وتصيح. وفي وسطها غشاء لحمي كالثوب من سرتها إلى ركبتها. كأنه إزار مشدود عليها. فما زالت كذلك حتى ماتت”.
وكانت هناك سمكة . جاء ذكرها في الخريدة. ” إذا جعلت في قدر مغطى نضجت واستوت. وإن كان رأس القدر مكشوفا طارت منه…”
و أخرى” وجهها كوجه الخنزير ولها فرج كفرج لمرأة”.
لكنها اختفت نتيجة عدم احترام فترات الراحة البيولوجية.
ونتيجة غياب الوعي.
وثالثة” تخرج من البحر وتصعد إلى جزيرة سلاهط. وإلى أشجارها. فتمتص فواكهها وثمارها. ثم تقع كالسكران. فيأخذها الناس”.
أما أغرب الأسماك فتلك التي يفرمها المغاربة
ويخلطونها مع الشحم
فتصير كفتة خروف أو عجل.
وهي التي يبحثون عنها الآن. ويأتي من يقول لهم إنها في مراكش بخمسة دراهم.
فيفتشون عنها في كل مكان.
وفي كل المحيطات. وفي بحر الظلمات.
ويسألون كل من صادفوه
و يتجولون في الأسواق بحثا عنها
ويتهمون الشناقة
ويغنون أغنية عندنا جوج بحورا
لكنهم لا يعثرون عليها أبدا.