الرئيسية > آش واقع > سجن الذهيبية بتندوف. الداخل ليه مفقود والخارج منو معطوب. كيفاش تفننات البوليساريو فتعذيب اجساد الصحراويين فإمارة اسويليكي
30/09/2019 17:15 آش واقع

سجن الذهيبية بتندوف. الداخل ليه مفقود والخارج منو معطوب. كيفاش تفننات البوليساريو فتعذيب اجساد الصحراويين فإمارة اسويليكي

سجن الذهيبية بتندوف. الداخل ليه مفقود والخارج منو معطوب. كيفاش تفننات البوليساريو فتعذيب اجساد الصحراويين فإمارة اسويليكي

الوالي الزاز -كود- العيون ////
[email protected]

شكلت مرحلة السبعينيات من القرن الماضي منعرجا خطيرا في قضية الوحدة الترابية للمملكة، مرحلة لم يدخر فيها الجار جهدا ليؤسس بانهزامية لتجربة مظلمة إختار أبطالها ارضا غير أرضهم، وسياجا حديدا يطوقهم على بعد ثلاثين كيلومترا من مدينة تندوف، إرضاءً لنفسٍ دفنت بين أضلاعها حقدا تاريخيا للمغرب، ولازالت تداعياته بادية بجلاء للعيان بعد إنصرام أزيد من أربعة عقود من الزمن وإلى ما لا نهاية من المعاناة الإنسانية.

تأسيس جبهة البوليساريو.. طانطان طرفاية والسمارة :

في تاريخ العشر من ماي سنة 1973 أعلن بعض من أبناء مدن طانطان خاصة على غرار الولي مصطفى السيد ومحمد عبد العزيز ومحمد عالي العظمي، وكذا طرفاية كالمحفوظ اعلي بيبا، ابراهيم غالي من السمارة، -أعلنوا- عن تأسيس “الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب” خلال مؤتمر تأسيسي عبروا من خلالها عن إستعدادهم لحمل السلاح لمواجهة الوطن الأم سعيا ل”تحرير” إقليم الصحراء بإيعاز من قوى متدخلة تقاسمت مع المملكة المغربية اللغة والدين والتاريخ والتقاليد.

حملُ هذه الفئة تحت مسمى جبهة البوليساريو بقيادة ابراهيم غالي كأول أمين عام لها للسلاح في وجه أبناء العمومة ولمدة تعدت بقليل ستة عشرة سنة، قض مضجع الكل، بل جسّد في وقت من الأوقات كراهية غير مسبوقة منية على التصور السياسي، حيث قاتل ابن القبيلة ابن عمه وجها لوجه، وأسر الأخ اخاه الأصغر، وشرد ابن العمومة أبناء عمومتهم دونما إستحضار لأي وازع إنساني أو مجتمعي.

قبل إنصرام الستة عشرة سنة من حرب الصحراء، كانت جبهة البوليساريو قد أعلنت عن قيام ما يسمى ب”الجمهورية” الصحراوية” بتاريخ السابع والعشرين من فبراير من سنة 1976 عمادها شباب درسوا بالجامعات المغربية وتقاسموا مع مختلف الحركات اليسارية والفصائل الطلابية المغربية، بل والأحزاب السياسية نفس التصور القاضي بالعيش الكريم والمساواة والعدالة الإجتماعية، لينطلقوا بعد ذلك نحو تحقيق أهداف سرعان من حادت عن مسارها للتشكيك بالسيادة الوطنية للمغرب من بوابة مواجهة الإستعمار الإسباني.

الطلقة الاولى في مواجهة المستعمر الإسباني:

كان واضحا أن شبابا على غرار الولي مصطفى السيد وابراهيم غالي ومحمد عبد العزيز عازمون على المضي قدما نحو امتشاق السلاح، إذ تم عقد مؤتمرها الاول تحت عنوان “بالبندقية ننال الحرية”، عنوان يعكس التوجه الجديد في مواجهة الإستعمار الإسباني الذي ذاق المُرّ أول مرة في عملية أطلق عليها “عملية الخنكة” شمال العيون بعد أيام على تأسيسها، حيث كبد هؤلاء الشباب في عمليتهم حامية عسكرية الجيش الإسباني خسائر بشرية ومادية جسيمة جعلت الإحتلال الإسباني يُعيد حساباته مرحليا، خاصة وأن جرح مجزرة انتفاضة “الزملة” -حي شهير بالعيون- لازالت لم تندمل آنذاك، إذ تلاها مباشرة إختطاف أحد رموز النضال آنذاك في الصحراء، محمد سيدي ابراهيم بصيري.

كان لهؤلاء الشباب الذين أسسوا جبهة البوليساريو بمكتب سياسي حُدد عدد أفراده في واحد وعشرين عضوا صيت ذائع آنذاك في إقليم الصحراء، حيث واجهوا باستعمال وسائل بدائية وببنادق خفيفة المستعمر الإسباني ليرغموه على العودة من حيث أتى سنة 1975، متى جسدت المملكة المغربية المسيرة الخضراء لتعود ربوع الصحراء للحاضنة المملكة المغربية.

حرب الصحراء .. مدافع الستة عشرة سنة :

إنطلقت فصول حرب الصحراء سنة 1975 سنة بعد خروج المستعمر الإسباني، حيث وضعت جبهة البوليساريو نصب أعينها تملُّك إقليم الصحراء بعد توسع طموحها الساعية من خلاله للتأسيس ل “الجمهورية الصحراوية”، حيث عاشت الصحراء إلى حدود سنة شتنبر من سنة 1991 مرحلة إمتزجت فيها دماء أبناء العمومة في ساحة وغى قدم فيها طرف متدخل كل الدعم في سبيل هزيمة النيل من الوحدة الترابية للمملكة.

موريتانيا أيضا لم تسلم من تلك المرحلة، حيث إصطدمت بجبهة البوليساريو عسكريا لتنسحب في غشت من سنة 1979 مُرغمَة من تراب وادي الذهب أو “تيرس” كما أسمت المنطقة، وذلك بعد حصيلة خسائر مادية كبيرة تكبدتها من لدن جبهة البوليساريو، ليتلوها دخول القوات المسلحة الملكية للمنطقة في نفس الشهر والسنة معلنة عودة الإقليم للمملكة المغربية.

ستة عشرة متواصلة من الدم وازيز الرصاص وصوت المدافع عاشها إقليم الصحراء، حيث خضعت المنطقة وجبهة الوليساريو المدعومة من الجزائر وليبيا، والمغرب من جهة ثانية لإتفاقية إطلاق النار برعاية الأمم المتحدة، حيث تدخلت متأخرة حقنا للدماء، ليُقسَّم المكون الواحد إلى طرفين، أحدهما شرق الجدار والآخر غربه في وطن جديد.

مكون واحد وطرفان يتقاسمان المعاناة الإنسانية :

سلمت المملكة المغربية المنطقة العازلة للأمم المتحدة بموجب إتفاقية إطلاق النار، وإستغلت جبهة البوليساريو ذلك للتغلغل شيئا فشيئا نحو “تفاريتي” و”بير لحلو” وغيرها من المناطق خلف الجدار الرملي، وذلك بعد أن سِيقت نحو تندوف جنوب غربي الجزائر، أين شيدت مخيمها في أرض الشتات الجزائرية.

المخيمات التي تبعد عن مدينة تندوف بزهاء الثلاثين كيلومترا كانت وطنا جديدا لصحراويين قاتلوا إلى جانب جبهة البوليساريو، وفضلوها عن المملكة المغربية بعد تشبعهم بفكرها “الوردي”  في زمن نجومية تيار اليسار المستشري آنذاك.

إنقسم ساكنة الصحراء لنصفين، حيث فضل جلهم البقاء في الأقاليم الجنوبية للمملكة تحت العلم المغربي، فيما إختار آخرون النزوح إلى الجزائر ومنها إلى منطقة خلاء درجة الحرارة فيها خمسون درجة، تتوسطها خيم خضراء اللون بتنظيم عسكري محكم، إذ لازالت الساكنة المقسمة نفسها تعاني لوعة فراق الأحبة وهجر أبناء العمومة.

ما بعد صوت المدافع.. حرب الإستقطابات بين المغرب وجبهة البوليساريو :

تميزت التسعينيات من القرن الماضي بحرب باردة في الأقاليم الجنوبية للمملكة ومخيمات تندوف، حيث عاشت على وقع حرب باردة قوامها إستقطابات لرؤوس كبيرة وصغيرة في نفس الوقت، حيث إستهدف المغرب قادة جبهة البوليساريو عبر تقديم مجموعة من الحوافز المالية والإجتماعية لهم، ما جعل كثيرين منهم يعودون أدراجهم مُلبين دعوة الملك الحسن الثاني “إن الوطن غفور رحيم”.

نفس الشيء بالنسبة لجبهة البوليساريو فقد حاولت جاهدا الحفاظ على حضورها بالأقاليم الصحراوية، وذلك من خلال إنشاء محطة إذاعية وصل أثيرها مدن الصحراء، قدمت عبرها برامج ونشرات اخبار وأغاني دغدغت مشاعر شباب في سن المراهقة، بل تمكنت في وقت من الاوقات من تحريكهم لتوزيع منشورات أو غيرها تأسيسا لمرحلة جديدة من السجال البارد، حيث لبى العشرات من الشباب نداءها دون مراعاة للمخاطر متوجهين نحو مخيمات تندوف، أين كانوا يرسمون حلما ورديا جديدا بعيدا عن الوطن الأم.

الروبيو .. ضحية الحرية :

م.م أو الربيو كما يلقب نموذج حي لتجربة حرب الإستقطابات الباردة، ثلاثيني من مواليد مدينة طانطان في 13 يونيو 1981، يصف نفسه بالشاب العادي الذي ترعرع في حي عين الرحمة بطانطان، وتشبع مرحليا حد الدغمائية بفكر جبهة البوليساريو، كان مدمنا في مرحلة من حياته البدوية على المذياع باحثا كل ثامنة مساءً وصباحا عن موجة إذاعة “الجمهورية الصحراوية”، متلهفا لسماع أخبارها عبر ناطقها الرسمي يعيدا عن نقاشات المنازل المحتدمة، وتصورات اناس ألبسوا دون قصد  جبهة البوليساريو ثوب الملائكة المنزهين عن الخطأ.

يسرد ل “كود” : كنت شديد الإهتمام بأخبارها، أتلذذ بأغانيها “الوطنية” أتمعن في صوت المغنية مريم منت الحسان، وأقارع كؤوس الشاي على صوت الناجم علال واشويطة -مطربون تابعون لجبهة البوليساريو- أخذتني الحمية لبعض الوقت لتتسلل إلى ذهني فكرة الإلتحاق بمخيمات تندوف، سأعبر الجدار الرملي إلى الطرف الآخر، سأعبر نحو الحرية، نحو نظام “ديمقراطي جديد” وقد أنال فرصة المغادرة بسهولة نحو مستقبل زاهر تضمنه لي إسبانيا بجواز سفر جزائري.

لطالما خيلت نفسي بين أقربائي، تخيلت المعاملة التي سألقاها بعد إجتياز الجدار الرملي الذي يجتازه إلا “الرجال”، سأحمل السلاح إن اقتضى الحال وسنعود لإقليم الصحراء في يوم قريب، ستتحقق أغنية -يا أهل العيون يا أهالينا إن قادمون ومنتصرينَ-، وسنعيش بسلام تحت علم البوليساريو بحرية، يحكي بحرقة ل”كود”.

لم يدم تفكير “الروبيو” كثيرا ليبحث عن أي وسيلة لضمان العبور نحو “حلم” مخيمات تندوف، ليتمكن على حين غرة من إمتطاء سيارة رباغية الدفع سنة 2006 مخترقا الجدار بمعية رفاق تقاسم معهم العيش لعدة أيام على وقع الخبز وعلب السردين في فيافي الصحراء، في إنتظار ساعة الحسم وموعد الحرية.

يقص “الروبيو” : إجتزنا الجدار الرملي خلسة في غفلة من الجيش المغربي، لنعانق مخيمات تندوف، ننتظر الإستقبال المنشود والوعود المقدمة سلفا بالعيش بكرامة على أرض جزائرية، بيد أن ذلك لم يدم طويلا عندما حوصرنا من لدن عناصر جبهة البوليساريو، متسائلين عن الغرض من وجودنا بتلك المنطقة العسكرية، قبل أن يحددوا هويتنا سريعا نسبة لملابسنا وحالة هندامنا المميزة وقصات شعرنا المغايرة عن ما هو موجود بمخيمات تندوف، يصف الروبيو أولى لحظات التماس مع عناصر عسكري لجبهة البوليساريو.

قادهم أولئك لعناصر من درك جبهة البوليساريو الذين وجهوا لهم أسئلة صارمة عن هويتنا وعن ما إذا كنا نعرف أقرباء لنا في المخيمات، وهو ما تفاعل معه “الروبيو” بالإيجاب منهيا بذلك ساعات طويلة من التحقيق والبحث، وذلك خوفا من ان نكون “مندسين” حسبهم.

تبخر الحلم وأول رصاصة في صدر الشباب المهجر :

يتذكر “الروبيو” يومه الاول في مخيمات تندوف، ويصفه بتمعن : وجوه جديد وتقاسيم لم نعهدها تحدثك ببؤس عن أيام سوداوية سنعيشها في مخيمات تندوف، نساء منقبات محترسات من أشعة الشمس اللاذعة، وخيم متناثرة، وأطفال بأجساد نحيلة، ورجال بملتبس رثة لا يراد منها إلا الستر، عواصف رملية وطقس حار بمعدل الخمسين درجة، متسائلا ل “كود” :يا إلهي ما هذا الواقع المزري؟

واقع جديد مسيج بقوات من الدرك والجيش جعلني في حالة صدمة مصحوبة بإحساس خيبة، وحيد معزول كمن صعقته صاعقة، فالعيش في هذا الجحيم عقاب دنيوي قبل الآخرة، والمأوى الجديد قطعة من عذاب في بلاد الأغراب دون مُعين ولك أن تتخيل ذلك، لك أن تتخيل مرضك دون أم، وجوعك دون أخت، وسقوطك دون أخ، موجها كلامه بحرقة ل”كود”.

لم أنتظر كثيرا كي تتردد على مسامعي كلمة “الشباب المُهجر” وهو لقب يطلق على الشباب القادمين من الأقاليم الجنوبية إلى مخيمات تندوف، لقب عنصري كرهته كثيرا لما تسبب لي فيه من ألم وعزلة داخل مجتمع يصعب الإندماج فيه، ذلك اللقب الذي لايفهم بالمعنى الحرفي بقدر ما يستعمل على سبيل العنصرية والتمييز، أيضا يستعمل كجرس إنذار للمحيطين بك خلال جلسات الشاي أو في مجامع الشباب.

لقد إنتظر “م.م” كثيرا كي يندمج داخل مجتمع خاله فردا فيه، وإستعمل لتحقيق ذلك  كل الوسائل لتأمين مكان فيه بين أفراد قبيلته القلة بمخيمات تندوف، مستنجدا في ذلك بشباب مُهجر من سنه لنسيان واقع مزري تنعدم فيه أبسط شروط العيش.

يحكي باشتياق لهم : هم الأقرب لي ولنظرتي وتصوري للحياة، نختلي بعيدا لنسترجع ذكريات خلت، هو ذا أحدهم يبكي مدينة العيون وآخر مدينة السمارة، وأنا أسترجع ذكرياتي في مدينة طانطان، أستحضر أزقتها، منزل العائلة، أصدقائي واحدا تلو الآخر.

ولأن العنصرية والقبلية والتمييز أساس لجل المعاملات في  تندوف، حان وقت أول صدام مباشر مجهول العواقب بين الروبيو وجبهة البوليساريو، إذ إنفجر في وجه أحدهم، بتاريخ السابع عشر من فبراير 2007، عندما ردد على مسامعه أحد عناصر درك جبهة البوليساريو لفظا عنصريا حاطا من الكرامة انتقاه بعناية من مُعجمه النتن ليرد “الروبيو” برفضه.

يوضح “الروبيو” : لم أكن أظن أن رفض التمييز قد يلقي بي في عالم آخر جديد ضمن عوالم مخيمات تندوف، بل لم أكن أتوقع للحظة أنني سأعيش تجربة مُرة بطعم الحنظل تصبح فيه الموت أمنية والسلاح دعوة بعد صلاة. ليست هذه تندوف التي تمنى أو سمعت حتى، ليست بمقصد “الأحرار”، ليست ولا موطن الحرية، فلا عيش كريم ولا ديمقراطية وحتى حقوق، الكل موجه بتعليمات، حتى الكهرباء والتنقل بوقت والأكل والشرب بحدود.

الخطوات الأولى في إتجاه الذهيبية :

لا يزال يتذكر بحنق صوت الدركي العالي وصراخه المرفوق بالبصق في وجهه،  يستحضر انتفاضته في وجهه بحثا عن الرد على فظاظة ذلك الدركي وسوء خلقه وكرهه ل”الشباب المُهجر”، كما لا ينسى محاصرته من طرف أزيد من عشرين دركي آخرين وعشر سيارات لمحاصرة إنتفاضته السلمية وتحجيم حمية آخرين رفضوا التمييز وامتطوا صهوة الحق للذود عن حقهم وعن العدالة الإجتماعية التي كانت شعارا تحت يافطة “القبلية جريمة “.

يحكي “الروبيو” :أتذكر من ساندوني آنذاك واحدا واحدا بتفاصيلهم كاملة، تقاسيم وجوههم و عددهم وملابسهم وأصواتهم وصراخهم دفاعا عني، وذودهم عن الحق في وجه جريمة القبلية التي تشيع صنوفها بمخيمات تندوف ولعلي سألتقيهم يوما ما لأشكرهم.

ما هي إلا دقائق قليلة حتى قدِمت تعزيزات أمنية كبيرة للرابوني مكان الواقعة، فلا مجال آنذاك للتجمهر في أي مكان، لا مجال للتعبير عن الرأي، لا مجال للصوت الواحد وإن نطق بالحق، فكل الاجهزة الأمنية في حالة نفير عام في سبيل شيطنة المتمرد، وهي ملامحه إلى حد الآن وفقا لنظراتهم العنيفة، لا مجال للحديث أو الشرح، لا مجال لشيء سوى لشباك تُرمى من أعلى سيارات رباعية الدفع لتحاصرك كحيوان مفترس تُقدم بعدها قربانا لدركي يهوى الرفس والركل والتعنيف دون رحمة، يتلقفك كفريسة، لا يشفي غليله سوى رائحة دم تختلط برياح “الشركي”.

يحكي ل”كود” : أُلقيت الشباك على حين غرة وحوصرتُ فيها وحيدا مذعورا أسترجع ذكريات مضت، أستحضر في غضون لحظات شريط حياتي نادما كمن به سكرات الموت، يتحسر على خطايا من صنف الكبائر، متلعثما أتمنى لو كان كل ذلك حلما لتنتهي معاناة إهانة في حق إنسان رفض طقوس “التزنكي” -العبودية-.

مرت برهة من الزمن ليجد نفسه مقيدا أعلى السيارة رباعية الدفع TOYOTA LAND CRUISER، يرفسه دركي دونما شفقة، دون حيطة أو حذر من ضرر قد يلحق بالمعتقل الجديد ليتسبب في مقتله، وحتى إن مات فقد سبقوه كثر، وهو من أقلية قبلية مغلوبة على أمرها، سيُجبر خاطرها بدِية دون قصاص.

يروي “م.م” بحسرة لكود فصول معاناته وصدمتع النفسية : لقد أهنت أمام مرأى الكل وذلك يكفي لتمني الموت والسعي خلفها ألف مرة في الثانية، فلا ألم يعادل الإهانة جهارا نهارا تحت أشعة شمس لافحة توحي بكونها الساعة الواحدة زوالا. ليتني لم آت لمكان كهذا. ليتني بقيت في وطني. جمل رددتها آنذاك وأنا أعيش صنوف عذاب نفسي لم أعشه قط في إنتظار آخر جسدي.

ويسترسل : لقد أحسست بنعمة الوطن آنذاك، وخبرت نعمة والمساواة والحرية، فأنا الآن على بعد نحو 15 كيلومترا من المكان السيء الذكر، على بعد تلك المسافة من حيز جغرافي سبقته سمعته السيئة، فيكفي ذكر إسمه لتتأكد بأنك قادم إلى الموت مهما تثاقلت خطواتك.

سجن الذهيبية وإمارة “اسويليكي:

“حبس الذهيبية” وما أدراك ما “حبس الذهيبية”، يكفي ذكر إسمه فقط ليدب الرعب في جسد أي كان، كلمات رددها “الروبيو” للإستدلال على بشاعة مارأته عينه وما سمعته أذنه، فلطالما إرتبط إسمه بقصص أليمة عاشها سجناء قطعت أوصالهم وذاقوا من الويلات ما لم يذقه إنسان في العالم، حتى “غوانتنامو” أو “أبوغريب” لا يضاهي “الذهيبية”، هو فعلا تجربة موت بأعين مفتوحة، يوضح “الروبيو”.

سجن الذهيبية بناية تعكس الوجه الأسود لجبهة البوليساريو، بناية تبعد عن الرابوني بحوالي 15 كيلومترا، بُني من طين من لدن أسرى مغاربة أسرتهم جبهة البوليساريو خلال حرب الصحراء، سجن مترامي الأطراف يتوسطه باب كبير بحراستين لمجموعتين من درك جبهة البوليساريو، فيه بنايات عشوائية مغطاة بقصدير وقطع من سكك حديدية سبق لجبهة البوليساريو غنيمتها خلال الحرب مع موريتانيا، زنازين لا تتعدى مساحتها المترين طولا وعرضا تتمنى فيها الموت، بل ويعد الموت أهون من قضاء ليلة في ضيافة إمارة “سويليكي ولد . ن”.

يحكي “الروبيو” بتمعن : دخلت سجن “الذهيبية” بتاريخ 17 فبراير 2007 مقيدا بالسلاسل، ولعل أو كلمة نطق بها “اسويليكي” هي -أيد وكراع .. أيد وكراع- بمعنى اليد باليد والرجل بالرجل، أي أن تقنية التقييد بالسلاسل ستكون على شكل تقييد اليد اليسرى للشخص مع اليد اليمنى لمن يحاذية وكذلك الرجل، حتى تتم إعاقة حركتك وأذيتك في حال حاولت التملص أو غيره، ليقوم بعد ذلك ” اسويليكي” بتوجيه أنواع السباب والشتائم المهينة والرفس والركل والضرب بقضيب من حديد دون شفقة، يسترسل المتحدث أن حضور “اسويليكي” مرفوق دائما بالأذية والصراخ والدم والقضيب الحديدي وبالألم وبالموت حيا، وكأنه خُلق ليُعذِّب ويُنكِّل.

بعد حصة تعذيب دامت زهاء الساعة والنصف تم الزج به في غرفة مظلمة تنبعث منها رائحة مقززة، متنفسها باب حديدي يبكي حال شباب يُعذب ليل نهار، دون أدنى شروط العيش، دون حقوق في زمن حقوق الإنسان، يكبل ويقيد إلى سلسلة طولها متر تقريبا نهايتها وَتَدٌ مغروس بقوة في الأرضية.

“اسويليكي” وفقا لرواية “الروبيو” شخص في عقده الخامس، ضخم البنية، لا يبتسم، صوته عال بشكل يتماشى مع ضخامته، يرتدي على الدوام زي درك البوليساريو، يلف قميصه حد الذراع، على إستعداد دائما لأن يوفر لك ضيافة من نوع خاص أو الواجب في مخيلة جلاد يستقوي على الكل، يتفنن في إحتقارك وإهانتك وأذيتك وإنتهاك حرمة أي جسد وإن تقاسم معه الإنتماء القبلي، فهو بمثابة “قاطع” رؤوس إن أتيحت له الفرصة .

لقد عانى “الروبيو” كثيرا مع “اسويليكي” فقبل حصص التعذيب تلك، أذاقنه صنوف التعذيب النفسي، حتى أنه كان يلقبه ب “الحمار الأصفر” بسبب لون بشرته البيضاء التي توحي له كلما رآني بأن “الروبيو” مندس مغربي، وهو ما كان يزيد من معاناته وآلالامه حد التفكير في الإنتحار والإنتقام.

يروي “م.م” :  لا زلت أتذكر بحرقة عندما سألني عن إسمي الثلاثي لأجيبه على الفور أني فلان ابن فلان ابن فلان، لم يعرني أدنى إهتمام مكتفيا برد زلزلني قال فيه بالحرف -انا كاتل عمك- بمعني أنه قتل عمي.

عاد “الروبيو” بعد حصة التعذيب النفسي تلك إلى زنزانه مجهشا بالبكاء مستحضرا سنين خلت، صورة عمه رحمة الله عليه، تقاسيم وجهه، ضحكته، أبناءه وزوجته وأبي.

قتل عمي ولا زال دون عقاب، قاتل عمي لازال حرا طليقا، بل ويتبجح بجريمته ببرود أمام ابن أخ المقتول، لكي أن تتخيلي قاتلا يتباهى دون مشاعر بقتل عمك ويردد على مسامعك أنه سيقتلك أنت أيضا، ولا جزاء ولا حساب ولا قانون، هكذا كنت أحدث وزغا كانت رفيقي طيلة نحو سبعة أشهر من سجني، يقول “م.م”.

يصف “الروبيو” الوزغ رفيث درب الزنزانه بأنه صديق طيلة مدة سجنه بإمارة اسويليكي “الذهيبية”، يحدثه ويشكو همه له، كان مؤنسه في سجنه الموحش، يختفي ليلا ويظهر نهارا، وكأنه يسعى لإحداث فسحة أمل في حياة “الروبيو”.

يحدثنا قائلا : كنت أحسده على هامش حريته، أنتظر قدومه بفارغ الصبر، أنتظر ان يكلمني دون كلل أو ملل في زنزانة تعبث بساعتك البيولوجية، تنتظر فيها وجبتين في اليوم، أما أولاها فقبل منتصف النهار على ما أظن، عدس ممزوج بحصى وحشرات، والثانية وجبة بعد العصر مكونة من طبق أرز أو “شعرية” نالت منهما الحشرات التي ذاقت أيضا من أصناف العذاب حد رميها في الماء المغلي.

يسرد الروبيو ل”كود” بإشمئزاز وبتقاسيم وجه متغيرة حد القيء أن قضاء الحاجة يتم داخل الزنزانة في غار، فيما يتم تقديم 5 لترات من المياه للسجين يوميا بغرض الشرب والنظافة، ولكم ان تتخيلوا ذلك في شهر ماي او يونيو أو يوليوز بمخيمات تندوف ودرجة الحرارة تتجاوز الخمسين درجة مئوية، بلا منفذ ولا مخرج.

وعن زنازين سجن الذهيبية فهي إنفرادية دون أرقام وصفها يدعو للموت، لقد كنا نلجأ آنذاك للحديث مع باقي السجناء من فتحة تحت باب الزنزانة، وفي حالة مصادفة “اسويليكي” لك أثناء حديثك لسجين آخر فاستعد لحصة تعذيب أخرى يستعمل فيها القضيب الحديدي وتكبيل من نوع خاص يتفنن فيه بعض من أتباعه في سلك الدرك، يردف المتحدث.

مأساة حقيقية لا زال يعيشها المئات من السجناء في سجن الذهيبية إلى حدود اللحظة، آخرهم ثلاثة نشطاء معارضين لجبهة البوليساريو اعتقلوا في يونيو الماضي بسبب مواقفهم وآرائهم السياسية الداعية للحرية ولمحاربة الفساد، لا زالوا يدفعون ثمن الحرية بينهم معتقل حامل للجنسية الإسبانية ينحدر من مدينة العيون.

يتذكر “الروبيو” الفساد المستشري في مخيمات تندوف، ويستشهد ب”اسويليكي” الذي يعمل على إختلاس أزيد من 300 قطعة خبز يوميا بالإضافة للمياه التي يُحرم المساجين منها في سبيل توفيرها لقطيع ماشيته، وكذلك الملابس حيث تعمل بعض المنظمات الحقوقية الدولية على توحيه الأطنان منها سنويا للسجن، قبل أن يقوم شخصيا بالإشراف على توجيهها للبيع بأسواق انواذيبو، يؤكد “الروبيو”.

يحكي “الروبيو” بيقين أن مصير “اسويليكي” هو الموت بأبشع طريقة نسبة للخطايا التي جناها طيلة عُهدته مديرا لسجن الذهيبية، موردا أنه سيلقى جزاءه في الدنيا، سيموت حيا قبل يسلم الروح ويدفن بفِعل التعذيب الذي أذاقه للمئات من السجناء والمظلومين والنشطاء المعارضين ولكل من دلف باب الذهيبية، تلكم حكمة الله في الأرض التي ستتحقق يوما ما.

يورد المتحدث ل”كود” على هامش جلسة مقننة الحضور : لن أنسى ما حييت أصناف العذاب التي مورست علي، ولن أنسى قضيبه الحديدي الغليظ، عندما كان يوجهه لكليتاي مرفوقا بوصفه اللا إنساني -يا لحمار لصفر-، وأيضا عندما يطرق باب الزنزانة المهترأة التي لا أتوفر فيها ألا على فراش لا يقيني شيئا، وذلك في محاولة لإيقاظي من نوم سرقته خلسة بحثا عن راحة لم أجدها يوما إلا في الصلاة والدعاء والبكاء على حسرة سنتين ضاعتا من عمري بسبب طيشِ فكرٍ وخلفيةٍ سياسيةٍ وهم.

قضى “الروبيو” ما يناهز السبعة أشهر متواصلة دون محاكمة بزنزانته في السجن، بلا أي زيارة عائلية، وذلك إلى غاية تاريخ الخامس والعشرين من يوليوز 2007، عندما تم إستدعائه لسبب كان يجهله من طرف “اسويليكي”.

اسويليكي ..- طير .. منين تجي نوبة ثانية نكتلك- :

يسرد “الروبيو” والإبتسامة تعلو شفتيه أن إستدعاء ملك السجن “اسويليكي” له على حين غرة، مفزع دائما، فلعلها حصة من حصص تغذيب جديدة، أو نزوة جديدة قد يدفع فيها الثمن غاليا، خاصة وأن لاشي يرد في وجه الملك السجان.

بخطوات متثاقلة وأعين مغلقة بسبب أشعة الشمس إلتقى المعتقل مدير السجن “اسويليكي” الذي لم يمهله كثيرا ليُردد على مسامعه بحقد شديد ووعيد  -طير ..منين تجي نوبة ثانية نكتلك- بمعنى أن أغرُب عن وجهه متعهدا بقتل “الروبيو” في حالة عودته للسجن مرة ثانية، متسائلا ومن سيعود مجددا لقطعة أرض منسية ءاق فيها عذاب الدنيا والآخرة، و تتغاضى عنها السلطات المسؤولة عن إستقبال جبهة الوليساريو على أرضها، يؤكد “الروبيو”.

غادرت مهرولا سجن الذهيبية دون الإلتفات هائما، وكأني ولدت من جديد، تائها منبهرا بواقع الحال الجديد، تنبعث مني روائح سيشتمها باشمئزاز أحد أفراد عائلتي عندما إلتقاني بحكم أني فقدت حاسة الشم نتيجة للروائح الكريهة في السجن، قبل أن أخاطبه بأني سأغادر لمدينة تندوف لزيارة أحد الأقارب، يحدّثنا “م.م”.

لقد غادر سجن الذهيبية بريئا وكأن بدعواته المرفوقة بتمني الأذية ل “اسويليكي” للمولى قد تحققت جزئيا. لم يكن يريد أن يعرف سبب خروجه من السجن، ولا تفاصيل ذلك متنازلا عن سبعة أشهر من حياتي لجبهة البوليساريو إلى حين أكد له أحد أفراد عائلته أن خروجي كان بسبب حراك داخلي لقبائل “تكنة” التي ينتمي إليها، حيث تدخل بعض أعيانها لإطلاق سراحه والإشراف على ولادة قيصرية له.

يبرز “الروبيو” : شريط رحلتي نحو مخيمات تندوف منذ سنتين لطالما راودني كل دقيقة ما بعد إمارة “اسويليكي”، وبتصميم فكرت في مغادرتها لأحظى بحياتي وأفوز بها، فالتجربة التي أمضيت فيها لم يكن فيها ما يشفع لأن يجعلني أتعلق بها أو أن اعيش فيعا يوما هنئيا، وحتى إن عشته فقد كان لقضيب “اسويليكي” الحديدي رأي آخر.

يومان بعد سجن الذهيبية .. رحلة العودة إلى طانطان

فكر “م.م” جديا بعد الخروج منسجن الذهيبية سيء السمعة في مغادرة مخيمات تندوف، بيد أن قِصر ذات اليد جعل حلمه في المغادرة يتبخر بين الفنية والأخرى، يتسابق مع أفكاره بحثا عن مخرج نحو العالم ، قبل أن تتأتى له المغادرة بتصميم بعد الحصول على بعض المال.

قضى “الروبيو”  زهاء اليومين فقط بمخيمات تندوف ما بعد ستة أشهر في مخيمات تندوف، ليعْبُر نحو الأمل من خلال منطقة -الريكون- نحو المحبس، ونحو حياته السابقة، ونحو طانطان مسقط الرأس سعيا لتضميد جراح ستبقى راسخة في مخيلته، تداعياتها مرض الرعشة الذي يعانيه حاليا وكوابيس مزعجة تطاردنه إلى الآن بطلها السجان “اسويليكي” وعادة خنقه في الأحلام كل ليلة.

يسرد “م.م” عدت لطانطان لأحيا حياة الكرام بين أهلي مندمجا في الحياة السياسية بطانطان من بوابة أحد الأحزاب المعروفة، منسلخا من تصور سياسي عشت انعكاساته الجسيمة لحظة بلحظة على يد سجان يرفضه لإنتماءه القبلي والإقليمي وللونه وعرقه، مختتما قصته التي تقاسمها مع قراء “كود” بتأكيد آستعداده للقاء الجلاد مرة أخرى أمام العدالة لينال جزاء قتل العم وتعذيب إبن الأخ.

موضوعات أخرى