عبد الرحمن الفاتيحي ـ أستاذ جامعي بجامعة تطوان ـ رئيس شعبة الدراسات الإسبانية//
خلال الأسابيع الأخيرة، استخدم قياديون في الحزب الشعبي الإسباني لغة شديدة القسوة تجاه المغرب على خلفية أزمة سبتة.
فقد ذهب ألبرتو نونييث فييخو إلى حد اتهام رئيس الحكومة الإسبانية بأنه «يتعرض للابتزاز» من جانب المغرب. وبعبارة أخرى، فهو يتهم المغرب بابتزاز رئيس حكومة إسبانيا. كما أكد أمام مجلس النواب أن العملية «انطلقت من المغرب»، وأن المغرب «سمح بها»، وأن هناك مؤشرات تدل على أنه نسّقها.
وتحدث فييخو كذلك عن «اعتداء مغربي»، وحمّل المغرب المسؤولية «بفعلٍ منه أو بسبب تقصيره». بل اقترح اللجوء إلى القوات المسلحة تطبيقاً للمادة الثامنة من الدستور. ولا نعرف لأي غرض!
وذهبت إيزابيل دياث أيوسو أبعد من ذلك، حين قالت إن المغرب «هاجم إسبانيا»، ولوّحت بقطع العلاقات معه إذا وصلت إلى رئاسة الحكومة.
وفي ستراسبورغ، اتهم إستيبان غونثاليث بونس، رئيس وفد الحزب الشعبي الإسباني في البرلمان الأوروبي، المغرب بشن «هجوم هجين»، وطالب بفرض عقوبات عليه.
يبدو أن الحزب الشعبي لا يحتاج إلى أدلة، ولا إلى انتظار نتائج التحقيق الجاري؛ فهو حسم الأمر مسبقاً!
حزب الشعب الأوروبي كان أكثر حذراً من جانب من خطاب الحزب الشعبي الإسباني
عند الانتقال من التصريحات السياسية إلى النص الذي قُدّم أمام البرلمان الأوروبي، تظهر اختلافات مهمة.
فقد طالب حزب الشعب الأوروبي بتعزيز حماية سبتة باعتبارها حدوداً خارجية للاتحاد الأوروبي، وتسريع إعادة الأشخاص الذين لا يحق لهم البقاء في الأراضي الأوروبية، وتعبئة الآليات الأوروبية لحماية الحدود، والمطالبة بتعاون فعلي في مجالات مراقبة الحدود وتحديد الهوية وإعادة القبول.
لكنه لم يقترح قطع العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والمغرب.
والفرق هنا مهم: فعلى خلاف بعض التصريحات التي صدرت في إسبانيا، أبقى حزب الشعب الأوروبي باب التعاون مع الرباط مفتوحاً، لأن هذا التعاون ضروري لمراقبة الحدود وتنفيذ عمليات الإعادة.
«فوكس» أراد الذهاب أبعد بكثير
حاول حزب «فوكس» تشديد صياغة النص من خلال تعديلات تستهدف المغرب بصورة مباشرة.
وشملت هذه التعديلات التعليق الفوري للتمويل الأوروبي الموجّه إلى المغرب، وتعليق اتفاقية الشراكة، وتعليق جميع الاتفاقيات الدولية المبرمة معه.
ماذا أقرّ البرلمان الأوروبي فعلياً؟
ينبغي هنا التمييز بدقة بين النقاش السياسي ومضمون النص الذي جرى اعتماده في نهاية المطاف.
هل قرر البرلمان الأوروبي أن الدولة المغربية خططت للدخول الجماعي أو نظمته؟ لا.
هل أدان المغرب؟ لا.
هل علّق اتفاقية الشراكة؟ لا.
هل أوقف تمويل التعاون؟ لا.
هل علّق التعاون؟ على العكس من ذلك، طالب بتكثيف التعاون بين المغرب وإسبانيا من أجل معالجة أزمة الهجرة.
وهكذا، وبعد أسابيع من المواجهة الكلامية، بات الحل الذي يقترحه البرلمان الأوروبي يمر أيضاً عبر تعزيز التعاون بين مدريد والرباط.
تقاطع في المواقف يستحق التوقف عنده
إن إعادة الأشخاص الذين دخلوا بصورة غير نظامية ليست مطلباً حصرياً للحزب الشعبي أو للحكومة الإسبانية أو للمؤسسات الأوروبية.
فالمغرب أعلن بدوره استعداده لاستقبال الأشخاص الذين يتعين إعادتهم.
وهكذا يظهر تقاطع واضح في المواقف: إسبانيا تريد تنفيذ عمليات الإعادة، وأوروبا تطالب بتسريعها، والمغرب يؤكد استعداده للتعاون في إعادة قبول المعنيين بها.
وبذلك، لا تعود المشكلة سياسية فحسب، بل تنتقل أيضاً إلى المستوى العملي والقانوني: أي تفعيل هذا التعاون مع احترام الإجراءات القانونية الواجبة التطبيق.
339 صوتاً: أقل من نصف مجموع أعضاء البرلمان الأوروبي
من الضروري أيضاً وضع الأغلبية التي حصل عليها القرار في حجمها الحقيقي.
فقد اعتُمد القرار بأغلبية 339 صوتاً مقابل 225 صوتاً معارضاً و16 امتناعاً عن التصويت، علماً بأن البرلمان الأوروبي يضم 720 عضواً.
وعليه، فإن الأصوات الـ339 المؤيدة لا تمثل سوى 47.1 في المائة من مجموع أعضاء البرلمان الأوروبي.
لقد اعتُمد القرار بصورة قانونية صحيحة، لكن الذين صوتوا لمصلحته لا يمثلون نصف مجموع أعضاء المؤسسة البالغ عددهم 720 نائباً.
كما لم يتحقق توافق بين العائلات السياسية الأوروبية الكبرى؛ فقد حظي النص بدعم حزب الشعب الأوروبي والمجموعات الواقعة إلى يمينه، في حين عارضه الاشتراكيون والخضر وقوى اليسار.
ولا يطعن هذا المعطى في الشرعية القانونية للقرار، لكنه يسمح بتحديد مداه السياسي بدقة أكبر.
من المواجهة إلى التعاون
بعد كل هذا التصعيد الكلامي، انتهى الأمر بستراسبورغ إلى وضع الاستجابة ضمن إطار أكثر واقعية: تعزيز الحدود، والتحقيق فيما حدث، والمطالبة بالوفاء بالالتزامات ذات الصلة، وتسريع عمليات الإعادة.
ولتحقيق ذلك، تحتاج أوروبا حتماً إلى التعاون مع المغرب.
