أجرى الحوار : مهدي النوري فاس و م ع ////

يستمد المؤلف الموسيقي والمغني ذو الشهرة العالمية، سامي يوسف، إلهامه من التقاليد الروحية والموسيقية الكبرى، بدءا من موسيقى “القوالي” إلى الغناء الأندلسي، مرورا بالفنون التراثية الفارسية والتركية والأذربيجانية، إلى جانب الفلامنكو، والتراتيل المسيحية.

وفي حديث خص به وكالة المغرب العربي للأنباء، على هامش مشاركته في الدورة الـ29 من مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة، يسلط الفنان الضوء على تعلقه بالموسيقى التقليدية والمقدسة، وعلى روح فاس، بالإضافة إلى الرسالة التي يود نقلها إلى الأجيال الشابة.

1. ماذا تمثل لكم المشاركة في مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة، وهو حدث ي قدم غالبا كفضاء للحوار بين الثقافات والروحانيات؟

أعتقد أن الكلمة المفتاحية بالنسبة لي هي الروح . ومع الروح يأتي الأدب والروحانية والاحترام، والإجلال، وهي كلها قيم أساسية في عالم بات يفتقر كثيرا إلى التوقير والإجلال.

فاس ت مثل هذه القيم، وهذا المهرجان أيضا. فهو يجسد المعنى والحوار والصداقة، لكن ليس على المستوى العاطفي فحسب. بل هو حوار فكري على أعلى مستوى، لأن الموسيقى والفن يتيحان للحضارات والثقافات أن تتحاور عبر الفكر، ليس بمفهومه الأكاديمي أو التعليمي، بل بمعناه التقليدي الأصيل الراسخ في كل ما هو مقدس.

وهذا ما يمنح المهرجان أهميته البالغة. كما أن استمراره في النمو والازدهار يدل بوضوح على مدى عمق تأثيره وما يمثله من قيمة.

2. تشكل فئة الشباب جزءا كبيرا من جمهوركم، ما هي الرسالة التي تودون إيصالها إليهم من خلال موسيقاكم، كمؤلف موسيقي؟

هذا شرف كبير لي. لا أدري إن كانت لدي رسالة بالمعنى الذي يقدمه الناشطون، ولكن إن كان لا بد من وجود رسالة، فهي أن الموسيقى التقليدية والمقدسة تشبه الطبيعة، نحن من نحتاج إليها، في حين أنها لا تحتاج إلينا.

إن هذه الموسيقى ضرورية تحديدا في “عصر الضجيج”. والشباب يدركون جيدا ما أعنيه، حيث التصفح المتواصل للمحتويات والتعرض المستمر للمؤثرات الرقمية . هناك صخب هائل يحيط بنا من كل جانب.

ولكن عندما نستمع إلى الموسيقى المقدسة والتقليدية عموما، يتغير شيء ما في داخلنا على الفور، لأن هذه الموسيقى تربطنا بإرث حضاري وثقافي يمتد لآلاف السنين، وتنفذ مباشرة إلى القلب.

ومن أجل الوصول إلى هذا المبتغى بشكل كامل، يتعين علينا أولا أن نقبل بالتخلي عن بعض ما تعلمناه ، ففي عصر الاستهلاك السريع للموسيقى، صممت الكثير من الأعمال فقط لإثارة الانتباه عبر لازمة جذابة، وأحيانا بطريقة مزعجة، لدرجة أنها تظل عالقة في الذهن دون أن تحمل أي عمق حقيقي.

3. غالبا ما تدعون الجمهور إلى إعادة اكتشاف الموسيقى التقليدية والمقدسة. كيف يمكن تقريب الشباب من هذه الأنماط الموسيقية التي تعتبر أحيانا ع ص ي ة على التلقي؟

عندما نستمع إلى أعمال عبد القادر المراغي مثلا في عالم الموسيقى العثمانية، أو إلى الموشحات، فإن أول شيء نلاحظه، إذا كنا نستمع بإنصات حقيقي، هو أن آذاننا لم تتهيأ بعد للاستماع إلى هذا النوع .

وأعتقد أن شابا اليوم، في سن 14 أو 15 سنة، قد يرى هذه الموسيقى مكثفة أو متطلبة أو حتى صعبة الاستماع.

ولكن يجب تدريب الأذن، والاستماع مرارا وتكرارا، وإعطاء فرصة لهذه الموسيقى وعدم إقصائها بشكل متسرع. كما يجب التحلي بنوع من التواضع، لأن هذه الموسيقى تتطلب منا السعي نحوها، وليست هي من يتعين عليها القدوم إلينا. ومع تكرار الاستماع، ينتهي بنا المطاف إلى اكتشاف رقي وعمق يغير علاقتنا بالموسيقى تماما.

وأنا مقتنع بأنه بمجرد الولوج إلى هذا العالم الموسيقي بصدق، يصبح من الصعب الاستماع إلى الموسيقى العادية بالطريقة نفسها. هذه الموسيقى التقليدية بالغة الرقي، وأصيلة لدرجة أنها تعيد ربطنا بأعمق ما في إنسانيتنا، وفي أعلى مستوياتها.

لذلك، نحن محظوظون جدا، لا سيما هنا في فاس وفي المغرب عموما، حيث توجد موسيقى استثنائية بكل المقابيس. فالموسيقى الأندلسية عندما تعزف بشكل جماعي كمقام الحجاز الكبير على سبيل المثال أو فنون “العيطة”، تمتلك جمالا وقوة ومعنى لافتا.

أ ك ن احتراما عميقا للموسيقى التقليدية، وللموسيقى الكلاسيكية، ولكل التقاليد الموسيقية العظيمة في العالم. والمغرب، في هذا الصدد، يمتلك موروثا موسيقيا مذهلا.