لا أؤمن كثيرا بما يروج في الشأن السياسي المغربي…كمواطن عادي،أعتبر أن “أولاد عبد الواحد واحد”،وكل المرشحين، و كل الأحزاب “مسقيين بمغرفة واحدة”، و أنه لا فاعل سياسي في هذه البلاد،غير الدولة مجسدة في شخص الملك، و الكثير من المؤسسات الأمنية و الاقتصادية التي تدور في فلكه…
في المقابل،أعتبر أن المجتمع يمور بتفاعلات بنيوية داخلية،تعبر عن نفسها بالسخط و الاحتجاجات التي تمارسها فئات و طبقات اجتماعية كثيرة،و تعبر كذلك عن نفسها بالتأييد الذي يلقاه الفاعل السياسي الوحيد، من فئات و طبقات اجتماعية كثيرة بدورها، تفاعلات تتقاطع فيما بينها ،اجتماعيا و سياسيا و اقتصاديا،إذ لا نستغرب وجود مواطنين يحتجون بألم ظاهر ضد الفساد و ضد الظلم و ضد الإقصاء و التهميش، و في نفس الوقت يرفعون صور الملك، و يحتشدون برغبة منهم و ليس بالضرورة بإجبار من السلطة، على قارعة الطريق كي يصفقون و يهتفون بإسم الملك، في لمحة مروره أمامهم في موكبه الملكي…
 
بالنسبة لفئة كثيرة من المواطنين،الملك لا زال يختزل قداسة الله ،و بهذا المعنى فهو مصدر كل الخير الذي يصيبهم، و لكنه ليس مسؤولا عما يلحقهم من الشرور، رغم أنه الفاعل الوحيد في الحقل السياسي، و الفاعل المهيمن في الحقل الاقتصادي..
 
تم في الحقل السياسي المغربي، ابتداع أحزاب،تختزل صورة الشيطان،لا حول و لا قوة لها في الميدان، لكنها تتحمل كل المصائب التي تلحق بالشعب، فهي المسؤولة عن تعطيل المغرب في سيرورة تقدمه منذ بداية الاستقلال، لأنها انخرطت في صراع غير ذي جدوى مع الملك المرحوم الحسن الثاني، بالنسبة لما سمي بأحزاب المعارضة،و لأنها لم تقم بواجبها في الدفاع عن المشاريع التنموية التي انخرط فيها الحسن الثاني، و انبرى أعضائها للبحث عن سبل الإثراء الشخصي السريع،بالنسبة لما سمي سابقا بالأحزاب الإدارية…
 
حين وصل المغرب لمشارف السكتة القلبية، ثم إشراك ذات الأحزاب في مشروع الإنعاش الطبي، الذي تكفل به دائما الملك، لكنه حين فشل،تم إلصاق الوزر بالأحزاب مرة أخرى،لكن من مواقع متناقضة….
 
حتى حين هبت نسائم الربيع العربي على المغرب، لم ترفع شعارات ضد الفاعل السياسي،و لعل هذا من مميزات ربيعنا هذا،على الأقل لحدود الساعة،لكنها رفعت ضد الشيطان الأقرب إليه، و هو حزب الأصالة و المعاصرة،لتعمم بعد ذلك ضد كل الشياطين الذين يتحملون وزر الأوضاع المأساوية للشعب المغربي، مقابل الريع الانتخابي المتمثل في الكراسي البرلمانية و الوزارية، و في المناصب الإدارية و الحكومية…
 
كي لا نكون إطلاقيين كثيرا، لنتفق على أنه هناك بعض الشياطين الطيبين…طيبين بنواياهم و بأفعالهم الصغيرة لا بتأثيرهم على السياسة العمومية،قد يكون أحزابا صغيرة أو متوسطة، أو أفرادا داخل أحزاب مختلفة…
 
وجود هؤلاء يستدعي مؤازرتهم،في محاولة اقتطاع مساحات مهمة من التقدم و الحداثة في حقل الهيمنة الملكية،و تتملكني هنا صورة الزعيم بنسعيد أيت يدر و هو يرفض تقبيل يد الملك الراحل، في مبادرة منه من أجل فرض علاقة احترام متكافئة بينه و بين الملك ، كإنسان لا كممثل لله على الأرض…
 
أستحضر أيضا صورة السيد لحسن أولحاج،عضو اللجنة الاستشارية لصياغة الدستور،و عميد كلية الحقوق و العلوم الاقتصادية،وهو يمنع من ولوج قاعة العرش بالقصر الملكي بتطوان،فقط لأنه رفض ارتداء اللباس المخزني…
 
هذه فقط هي مجالات فعل الأحزاب و الشخصيات المناضلة،مجال الرموز التي يجب محاربتها من أجل ملكية عصرية،في أفق أن تتاح الشروط القمينة بإشراك ذات الأحزاب في تدبير فعلي للشأن العام، السياسي و الاقتصادي…
 
لذا، و صوتي الانتخابي دائما في جيبي،و لعبة المقاطعة تستهويني ضد العبث السياسي،و التي لا أفكر في التراجع عنها ، فقط إن قدم لي مرشحا، أو حزبا،وعدا انتخابيا،لا بتحسين وضعيتي و لا بتشغيل أبناء حارتي، فهو لن يقوى على ذلك….بل فقط في الامتناع عن ارتداء اللباس المخزني،أثناء افتتاح دورات البرلمان و في الاستقبالات الرسمية…
 
في الامتناع عن تقبيل يد الملك، و الانحناء على أربع في حضرته…