ربورطاج من إعداد عمر المزين – كود////
يتحسس عشرات الأفراد من أسر فقيرة بمنازل عمارات متجاورة للبنايتين المنهارتين بحي المستقبل بالمنطقة الحضرية المسيرة في مدينة فاس، نبذات قلوبهم، خوفا وترقبا للآتي يتمنوه أفضل من تكرار كارثة أوجعت كل القلوب وأبكت ثمانية أسر وأقاربها لفقدانهم أشخاص أعزاء على قلوبهم المكلومة حصرة على فراقهم في حادث أعاد إلى الأذهان مشكل البنايات المهددة بالانهيار.
غالبية الأسر القاطنة بجوار العمارتين المنهارتين أفرغت من شققها بشكل مؤقت وتم إيوائها من طرف السلطات المحلية كحل مؤقت في انتظار اتخاذ التدابير اللازمة لترحيلها أو تعويضها عن مساكنها المهدد بعضها بالانهيار، خاصة المجاورة للبنايتين التي تضررت بشكل كبير إلى حد ظهور “ثقب” بحجم أوسع اسفل أحداها كما عاينت “كود”، مما يجعلها مهددة بالانهيار في أي لحظة وحين خاصة في ظل التساقطات المطرية التي عرفتها فاس ساعات بعد الانهيار.
الأسرة المتضررة:
تنتمي هذه العائلات إلى فئات اجتماعية تعيش الهشاشة والفقر ونسبة كبيرة منها بالكاد تتدبر أمورها العائلية فبالأحرى تفكير في إيجاد سكن بديل عن الشقق المفرغين منها التي بدوها بأنفسهم أو عبر مقاولين “عطاشة” إبان ترحيلهم من حي صفيحي كان بالمنطقة وأعيد تثبيت سكانه في بقع أرضية غير بعيد عن الدور الصفيحية في إطار برنامج إعادة تأهيل والقضاء على دور الصفيح.
نسبة مهمة من الأسر المنهارة شققها أو المهددة، يمارسون أنشطة مهنية موسمية أو التجارة بالتجول داخل أسواق المدينة وخارجها في الأسواق الأسبوعية، على غرار رب أسرة نجا بأعجوبة من الحادث لوجوده خارج فاس، حيث توجه إلى سوق “تيسة” الأسبوعي طلبا لرزقه وبحثا عن مدخول يسعد به نفسه وأسرته على تدبر تكاليف ومصاريع العيش.
هؤلاء يحتاجون إلى الدعم اللازم من قبل الدولة التي تسابق الزمن لإيجاد حل للمشكل بدليل عقد اجتماع طارئ بمقر ولاية جهة فاس مكناس ترأسه الوالي خالد آيت الطالب لإيجاد مخرج للمشكل وحلول ناجعة لإعادة لإيواء المتضررين، تفاديا لتكرار مشكل المتضررين بالحي الحسني بن دباب (ضحايا الانهيار السابق) قبل شهور، والذي خلف 10 قتلى فيما زال المتضررون من البنايات الآية او المنهارة، في انتظار حلول عملية جادة وجدية لإعادة لإيوائهم، رغم خوضهم أشكال احتجاجية مختلفة.
تدخل بطولي:
منذ الحادية عشرة و20 دقيقة توقيف انهيار البنايتين استنفرت مختلف السلطات المحلية والأمنية عناصرها ومواردها البشرية واللوجيستيكية لتأمين مرور عملية إنقاذ الضحايا تحت الأنقاض في ظروف سليمة تفاديا لكل ما من شأنه أن يعرقل العملية أو يتسبب في أخطار للمتجمهرين قرب المكان وحفاظا على سلامتهم ولتيسير عمل فرق التدخل المتمثلة في عناصر الوقاية المدنية والمتطوعين وعمال الإنعاش والقوات المساعدة وغيرهم، منهم من قضى ليلة بيضاء في عين المكان إلى الآن.
فرق الإنقاذ قضت ساعات عصيبة لانتشال كل الجثث والمصابين إلى ساعات مبكرة من الصباح استطاعت خلالها لأزيد من 10 ساعات في استخراج الأشخاص من بين الأنقاض رغم صعوبة المهمة بفعل القطع الإسمنتية الكبيرة وركام الأتربة الذي غطى بعد انهيار العمارتين بشكل كلي، في الوقت الذي عملت فيه الجرافات على إخراج الركام وإبعاده عن المكان، بينما استعانت الوقاية المدنية بالكلاب المدربة بحثا عن مفقودين محتملين تحت الأنقاض.
هذا العمل استمر ليلا وإلى مساء اليوم، كما عاينت “كود”، تحمل فيه الجميع التعب وسط تهاطل الأمطار وسط مخاوف من انهيارات وشيكة للبنايات المجاورة. هذا العمل الدؤوب أعقبه تحرك رسمي لكل مسؤولي المدينة، وعلى رأسهم الوالي خالد آيت الطالب الذي شوهد في عهن المكان ليلا إلى جانب عدد من المسؤولين الأمنيين ومدير ديوانه الذي كان ينسق لإيجاد فنادق لإيواء الأسرة المتضررة تفاديا لبقائها في الشارع العام، وسط جو بارد.
جو تضامني واسع:
زارت “كود” مكان الفاجعة إبان حدوثها وساعات بعد ذلك إلى مساء اليوم الأربعاء 10 دجنبر الجاري، وعاينت “كود” جوا تطوعيا وتضامنيا منقطع النظير تمثل في مساعدة عشرات الأشخاص والشباب لعناصر الوقاية المدنية وفرق التدخل في البحث على المفقودين وسط الأنقاض، في عملية شوهد حتى عناصر القوات العمومية بصدد المشاركة فيها، خاصة إبان العثور على بعض الضحايا المحتملين.
الجو التضامني أبان عن حتى سكان حي المستقبل، حيث عمدت العديد من الأسر على إعداد وجبات غذائية عبارة عن فطور لفرق التدخل والإعلاميين، قبل أن توزع عليه “الزبدة والعسل” كواجب للعزاء، في الوقت الذي خصصت فيه وجبات الغذاء لتقديم “الكسكس” لعناصر الوقاية المدنية والأمن الوطني والقوات المساعدة وعمال الإنعاش، وغيرهم ممن بصم على دور فعال وهام في عملية التنقيب على المفقودين أو تأمين محيط البنايتين المنهارتين.
صور ومشاهد التضامن والتآزر تجسد أيضا في نصب خيمتين كبيرتين بساحة فارغة بمحيط العمارتين خصصتا لتقديم واجب العزاء لأسر الضحايا البالغ عددهم 22 شخصا تم انتشال جثثهم أو لفظوا أنفاسهم الأخيرة بالمركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني بفاس، وسط أجواء تضامنية طالما كشف عنها المغاربة في كل المناسبات الأليمة، خاصة لما يتعلق الأمر بفواجع وكوارث طبيعية وناتجة عن انهيارات لمباني عرفت فاس الكثير منها.
من المسؤول عن انتشار البناء العشوائي بمنطقة المسيرة؟:
فضح انهيار البنابتين حجم الانتشار الفظيع للبناء العشوائي بحي المستقبل والأحياء الهامشية القريبة منه، التابعة للمنطقة الحضرية المسيرة، حيث رصدت كاميرات “كود” مشاهد مختلفة لبنايات لا تحترم التصاميم الأصلية، وذلك عن طريق تغيير هيكلها الداخلي والخارجي والزيادة في عدد الطوابق دون بناء الأساسات اللازمة أو مراعاة طبيعة الأرض المبني عليها العقار.
وما زاد من فظاعة الكارثة أن العديد من البنايات تم تشييدها أمام أعين السلطات المحلية والمنتخبين والمصالح المعنية بالمراقبة والزجر التي للأسف لم تحرك ساكنا منذ سنوات ترحيل سكان الدور الصفيحية وإعادة إيوائهم من جديد في بقع بمساحة محدودة وتصميم خاص لم يحترم أغلب السكان مقتضياته القانونية، لتنبت بنايات “عشوائية” ما بينها وبين السكن الكريم غير الخير والإحسان.
هذا الواقع ليس حكرا على هذا الحي والأحياء الهامشية بمقاطعة زواغة بل يمتد إلى غالبية المقاطعات بفاس التي نبتت فيها أحياء عشوائية في منطقة المرينيين ومنطقة جنان الورد ومنطقة سايس وما جورها، والتي تعتبر معقلا للبناء العشوائي وقاعة انتخابية قادت العديد من الوجوه السياسية إلى كراسي المسؤولية مقابل غض الطرف عن اختلالات التعمير التي تناسلت حتى أضحت معها البنايات قبورا فوق رؤوس قاطنيها يمكن أن تنهار وتخلف ضحايا بأعداد الله وحده أعلم بها.
مواكبة إعلامية دولية:
عرفت فاجعة الانهيار مواكبة إعلامية مكثفة من مختلف المواقع والصحف الوطنية والصحافة الأجنبية وممثليها في الرباط أنجزت تغطيات خاصة عن الحادث، عززتها بشهادات من عين المكان للناجين منه وزملاء إعلاميين أمدهم بجديد وحصيلة الفاجعة التي أبكت الجميع وتحولت إلى مادة دسمة في مواقع التواصل الاجتماعي حتى أنه نادرا ما تجد صفحة أو حساب شخصي فارغا من إشارة لما وقع في حي المستقبل بمنطقة المسيرة.
المواكبة الإعلامية لم تقتصر على الحضور الميداني بمكان الفاجعة وإنجاز فيديوهات مباشرة أو تغطيات خاصة بل امتدت لتتبع الحالة الصحية للمصابين الذين نقلوا إلى المركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني، حيث تحول إلى نقط استقطاب الكاميرات والصحفيين الباحثين عن جديد يطمئن عائلات المصابين ويطلع القراء والمستمعين والمشاهدين على جديد حالتهم الصحية للاطمئنان عليهم.
المركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني تحول طيلة الليل والصباح ومساء اليوم إلى خلية نشيطة متحركة لإنقاذ حياة الناجين البالغ عددهم 15 ضحية، والذين وضعهم تحت العناية المركزة واخضعوا للكشوفات الطبية والتحاليل المعمول بها لقياس درجة الإصابة وخطورتها بتتبع مباشر من المديرة العامة للمستشفى البروفيسورة فاطمة الزهراء المرنيسي، في الوقت الذي استنفر فيه كل الطاقم الطبي والتمريضي والتنقي والشبه الطبي والإداري لتقديم كل أشكال العلاج والدعم النفسي والمعنوي للمصابين الذين لا زالوا يتلقون العلاج إلى حدود الآن.












