كود الرباط//

بعد سنوات طويلة كان فيها الاحتفال برأس السنة الأمازيغية يحمل طابعًا احتجاجيًا وشعارات مطلبية، بدا المشهد هذا العام مختلفًا بشكل واضح. القرار الملكي القاضي بالاعتراف الرسمي برأس السنة الأمازيغية عطّل لغة الاحتجاج، وفتح المجال أمام احتفال شعبي هادئ، مليء بالرمزية والدلالات الثقافية.

أمام مبنى البرلمان بالرباط، حجّ العشرات من النشطاء والمواطنين، عائلات وأطفال ونساء ورجال، للاحتفال بالسنة الأمازيغية في أجواء غلب عليها الفرح والاعتزاز بالهوية. الساحة تحولت إلى فضاء مفتوح للذاكرة الجماعية، حيث امتزجت الألوان واللباس التقليدي بالموسيقى والأهازيج.

وسجّل الحفل حضور سعيد أيت المهدي، أحد معتقلي حراك الحوز، الذي استُقبل بتفاعل لافت من الحاضرين. وبهذه المناسبة، عبّر أيت المهدي عن تهنئته للملك محمد السادس، موجّهًا له شكرًا خاصًا على قراره الذي وصفه بالتاريخي، معتبرا أنه خطوة مفصلية في مسار الاعتراف بالثقافة الأمازيغية كمكوّن أصيل للهوية المغربية.

الاحتفال تميّز بارتداء المشاركين لأزياء تقليدية أمازيغية، من بينها تازرزيت والحلي الفضية المزخرفة، في مشهد بصري يعكس غنى التراث وجماله. كما حضرت الزينة والأعلام الأمازيغية، إلى جانب الأعلام الوطنية، في انسجام لافت بين الرمزين.

فنيًا، صدحت الساحة بأغاني أمازيغية، حيث قدّم أحد النشطاء مقاطع من ريبرتوار الفنان الأمازيغي مبارك أولعربي، إلى جانب أغانٍ قبايلية للفنان القبايلي أولحلو، ما أضفى على التظاهرة بعدًا ثقافيًا متنوعًا يتجاوز الحدود الجغرافية.

ولم يخلُ الاحتفال من البعد الرمزي المرتبط بالأرض، إذ جرى عرض مأكولات تقليدية مرتبطة برأس السنة الأمازيغية، وعلى رأسها تاݣلا والعصيدة، في إشارة إلى العلاقة التاريخية بين الإنسان الأمازيغي والأرض والفلاحة والخصب.

وزادت التساقطات المطرية التي عرفتها الرباط في هذا اليوم من بهجة المحتفلين، حيث اعتبرها عدد منهم “فأل خير” وبشارة بسنة فلاحية أفضل، كما جرت العادة في المعتقد الشعبي المرتبط بـ“إيض يناير”.

هكذا، مرّ الاحتفال برأس السنة الأمازيغية هذه السنة بنكهة مختلفة: احتفال بلا شعارات صدامية، وبحضور قوي للثقافة والرمز والفرح الجماعي، في مشهد يوحي بأن مرحلة جديدة قد بدأت في علاقة الدولة بالذاكرة الأمازيغية.

وفي مقابل هذا المشهد الاحتفالي الهادئ، الذي اختار فيه المحتفلون برأس السنة الأمازيغية التعبير عن هويتهم بالفرح والثقافة والموسيقى والرمز، بدا الفرق صارخًا مع الاحتجاجات التي اعتاد تنظيمها أمام البرلمان بعض التيارات الإسلامية “الكوفية”، التي لا تحضر إلى الساحة إلا محمّلة بخطاب البكاء على الحروب البعيدة، واستثمار المآسي الإنسانية في الشعارات والصراخ. احتجاجات لا تعرف معنى الاحتفال بالذات ولا المصالحة مع الهوية، ولا تؤمن بالثقافة كفعل حياة، بل تختزل الفضاء العمومي في العويل والتعبئة الإيديولوجية، في حين قدّم الاحتفال الأمازيغي نموذجًا مغايرًا: حضورًا هادئًا، واعتزازًا بالانتماء، ورسالة مفادها أن الهوية تُصان بالفرح لا بالصدام، وبالذاكرة لا بالضجيج.