هشام أعناجي ـ مكتب الرباط//
أحلام تبخرت وسط جحيم “البلية”، أشبال ترعرعوا تحت وطأة “القساوة”، شباب في مقتبل العمر، تفرقت بهم السبل وهاجروا من الأرياف صوب المنفى أو القبر “المدينة”، التي تفتح أحضانها للجميع وتتبنى كل أنواع “البلية”.
حمزة.. من “الريف” المنسي إلى “كابوس” البلية بمارتيل
ّ”غادرت المنزل وأنا في عمري 9 سنوات، توجهت صوب مدينة مارتيل حيث يشتغل اخوتي في السوق الأسبوعي للخضر” يحكي حمزة، “اسم مستعار”، قصة دخوله إلى المدينة اسوة باخوته.
شغف الهجرة وحلم “الثروة” دفع بحمزة إلى ولوج “ريو مارتن”، الاسم الذي كان يُطلق على المدينة في الوقت الذي كان فيه شمال وجنوب المغرب محميتان إسبانيتان، لكن الحلم تحول كابوس والشغف إلى “بلية” قاتلة.
الفقر، الهدر المدرسي، غياب أماكن الترفيه، جفاف المنطقة، الهجرة السرية، أسباب وأخرى تحاصر شباب في مقتبل العمر تجعله يرضخ لجميع أنواع “البلية” التي تنسي “الهم” كما يقولون.
هذه الأشياء وغيرها دفعت حمزة وأمثاله كثر، الى عدم العودة إلى الديار الأصلية، أغلب هؤلاء من الريف، لكن في المقابل يلجؤون إلى وسيلة للنسيان عبر الغرق في بحر “المحظورات” من “قرقوبي” و”حشيش” وجميع “أنواع الخمر”.
أما حمزة، له طريقته الخاصة في السكر، يقول في حديثه مع “كود”، :” منقدرش نشرب بلا مناكل خمسة د الحبات ديال القرقوبي” يتحدث وفي وجهه الحسرة على عدم قدرته على ترك هذا السم القاتل.
يستطرد وبلغة التحدي :” اتعلم سرا يا صديقي أنا لا أفتخر بهذا لكني انتعش بالخمر والقرقوبي ورغم ذلك معروف لدى الجميع في الشاطئ أنني لا أعتدي على أحد”.

فقد فقدت كل شيء سوى هذه “البلية” فهي عشيرتي التي تفهمني، ترافقني في حلي وارتحالي أغيب وأترك العالم من ورائي فقط لانها معي، واحيانا نتذاكر معا في جو حميمي، فأنا لا اثق في الناس قدر ثقتي بـ”البلية”.
حالة أخرى لمدمني “مارتيل”، يجسدها حسن (27 عاما) الذي يتعاطى المخدرات والحشيش منذ كان في سن الرابعة عشرة، يقول هذا الأخير إنه يعيش حاليا في الحضيض بسبب ذلك، وقد هجرته زوجته.
رشيد، قادم من إحدى مدن الداخل، رفض ذكر اسمها، يعمل سباح منقذ في شاطئ مرتيل، يحب المدينة حيث يستهويه الجو الساحلي، لم يكمل دراسته الجامعية، فضل العيش في البحر وبعد خمس سنوات من العيش في مارتيل، له هو الآخر تجربة قاسية مع المخدرات، حيث بدأت رحلته مع هذه الآفة عندما كان في سهرة رفقة بعض أصدقائه في احدى الليالي الصيفية.
تلك كانت البداية، يردف رشيد، التي لا أظن ستكتب لها النهاية سوى بالموت او المرض، يقول إنه لم تكن لديه القدرة على بدء يومه إلا بخلطة من الهيروين وعقاقير أخرى مخدرة يحتفظ رشيد بالحقن في جيب محفظته الصغير، ويحقن نفسه بالمخدر، ويقر بأنه في حال عدم أخذه الجرعة كان لا يعي تصرفاته ولا يتحكم في أعصابه، يشعر احيانا بآلام في جسمه ومفاصله، حتى تدمع عيناه.
لست وحيدا.. الآلاف يتعاطون “البلية”
يؤكد حسن، الذي يعيش حياة “موقوفة التنفيذ” حينما فقد جل اسنانه وتدهورت صحته، أن هناك إقبالا متزايدا على المخدرات، وأن ما يزيد من تفاقم هذا الوباء هو مصدر المخدرات الذي لا ينضب وبأسعار رخيصة من مدن الشمال اضافة إلى نواحي هذه المدينة التي تصدر الحشيش، كما تستقبل كل عام كميات من الهيروين والحشيش تقدر قيمتها بملايين الدراهم حسب معطيات أوردتها الصحافة الاسبانية.
يقول عبد الله، ريفي يشتغل في التهريب، “لقد عانيت كثيرا حاولت الانتحار مرتين ولم أنجح”، مضيفا في حديثه مع “كود”، :” السبب واحد لقد تجرعت الكثير من أقراص القرقوبي السنة الفارطة”.

مارتيل.. الهدوء الذي يخفي “ظلام البلية”
مارتيل، إحدى أجمل المدن الشمالية، فهي تستقبل الالاف من العائلات المغربية في العطل الصيفية، تبدو مدينة هادئة خالية من الجريمة لكن في العمق يسكنها شبح مظلم يهدد مستقبلها السياحي والتنموي.
تقع مارتيل على الساحل الشمالي المتوسطي للمملكة المغربية، .تنتمي مرتيل لتطوان حيث يغلب عليها الطابع السياحي، وتتميز بشواطئها النظيفة والدافئة، كما أنها مزدهرة بصيد الأسماك.
لكن في ظرفية زمنية قصيرة، خصوصا في العشر سنوات الأخيرة، وبعد اجتياح شباب عاطل عن العمل قادم من البوادي المجاورة وبعضهم من اقاليم الريف، للمدينة الهادئة، انتعشت المخدرات على الهامش ، حيث يتعاطى المدمنون المخدرات جهارا نهارا في زوايا شوارع المدينة وطرقاتها، ومما زاد من انتشار هذه الآفة هو أنها رخيصة الثمن وسهل الحصول عليها.
ويقول مصدر في السلطات المحلية بالمدينة إن الحصول على المخدرات كالهيروين وسواه لا يتطلب سوى مكالمة هاتفية، فيأتيك ما شئت حيث كنت، لذلك من الصعب مراقبة كل التحركات فهناك من يستعمل لغة الرموز للحصول على المادة.
تحقيق اسباني.. القرقوبي يغزو الشمال
تحقيق قدمته صحيفة اسبانية، تحدث عن جزء من كميات القرقوبي يوزع في شمال المملكة، فيما ترسل الكميات الباقية إلى المدن الساحلية المغربية، حيث يُستهلك “القرقوبي الإسباني” بكثرة، حسب ما اعترف به أحد مصنعي هذا المخدر بمدينة الفنيدق لجريدة “إلموندو”.
التحقيق المثير الذي قدمته صحيفة “إلموندو” الإسبانية، السنة الماضية، تحت عنوان: “الحبة الحمراء الإسبانية التي تهيج المغاربة”، كشفت أن هذه الظاهرة الجديدة تعكس “تهريب المخدرات المعكوس”، إذ في الوقت الذي تهرب منظمات إجرامية الحشيش المغربي إلى الجزيرة الإيبيرية، هناك شبكات إجرامية أخرى تهرب “القرقوبي” الإسباني إلى المغرب.
المصدر ذاته أوضح أنه في تلك المختبرات المنزلية يتم أخذ “حبة حمراء” ويتم خلطها بفُتات الحشيش (ديشي) والطحين وملون أحمر، بعدها يتم صنع وإخراج “العديد من الحبوب الصغيرة” من تلك العجينة، ويتم بيعها فيما بعد بـ20 درهما للشبان المغاربة في الشمال.
وأضاف أن القرقوبي الإسباني ينتشر بين الشبان، وحتى الأطفال، في مدينة الدار البيضاء، حيث “الحبة الحمراء يتم الحصول عليها بسهولة مقابل 10 دراهم”.
وأكد المصدر أنه في “شقة صغيرة في الفنيدق، في حي كونديسا، يوجد ما يشبه المختبر، حيث يصنع القرقوبي”.

