بين يدي مسودة مشروع الدستور الجديد،و في الذاكرة قليل مما احتفظت به من الخطاب الملكي،و على شاشة الحاسوب،في دولة الفايسبوك الديمقراطية، آراء صديقات و أصدقاء ،مرحبيين و منددين، بمضامين الدستور ،انخرطت بصحبتهم في التعليق الجدي على بعض الفصول، و في السخرية و الهزء على مضامين فصول أخرى….

كنت و لا أزال اضن أن الحياة مهزلة كبرى،تستحق عيشها بالكثير من المرح و السخرية،و بأن الهزء من المجالات التي تنتج فيها المواقف الأكثر عقلانية و صوابا في المجال السياسي ، و في حقل هذا الهزء ، يتحرر العقل ليبسط مغامرته باتجاه استكشاف الصائب في الأفكار و الممارسات….

انتابني إحساس و أنا اقرأ المسودة للمرة الأولى،بأننا أمام مقلب آخر من مقالب السلطة،و بأن التساهل ربما في بعض الشكليات،قد يكون مكلفا تاريخيا، و أعني هنا، كيف أنه لم ينصب النقاش حول طريقة تعيين أعضاء اللجنة الاستشارية المكلفة بمراجعة الدستور، و ما معنى الآلية الاستشارية المواكبة لهذه اللجنة، و لماذا تتم الاجتماعات في القصر الملكي و ليس في مجلس النواب مثلا؟ و لماذا لم يتم إقرار مشروع قانون يحدد أتعاب أعضاء اللجنة و اقتطاعها من مالية الدولة، لا تخصيصها من صندوق مجهول الهوية و التمويل….كلها أسئلة كانت تواجه بالتحقير و الازدراء، لأن الجميع كان يتطلع لمضامين دستورية متقدمة ، تتجاوز بكثير سقف مطالب الأحزاب، و تغير بشكل جذري بنية الدولة….كان الخوض في هذه الشكليات نوع من العدمية و الماضوية…

انتابني إحساس بالغبن، و أنا أطالع تصدير الدستور،و أكتشف غياب أي إشارة لتوصيات هيئة الإنصاف و المصالحة،و أستنتج أن الالتزام الذي قطعه الملك في خطاب التاسع من مارس، بدسترة توصياتها الوجيهة،تم في جزئيته، أي تم تصنيف التوصيات كوجيهة، و أخرى توصيات غير وجيهة… في الوقت التي تعتبر فيه هيئة الإنصاف و المصالحة،كتجربة إنسانية أولا، و كإنتاج مغربي خالص و عبقري،بمنهجية اشتغالها، و مضمون توصياتها، جزء من التوثيق التاريخي في بناء الشخصية و الهوية المغربية،بمثابة الدين الجديد، الذي عزز مصداقية و شرعية النظام و الدولة في المغرب، و يتم إهمالها في تصدير أول دستور لأول ملك استفاد من ذات المصداقية…
في ذات التصدير، و في جملته الأخيرة ما يبدو على أنه نص على سمو المواثيق الدولية على التشريع الوطني، بينما في الحقيقة يتحدث عن سمو الاتفاقات الدولية، كما صادق عليها المغرب، يعني بتحفظاته عليها، و حين نشرها، و في عدم تعارضها مع النص الدستوري و ثوابت المملكة…و ليست الدولة
انتابني إحساس بالاستخفاف بنا،و أنا أطالع الفصل الخامس حول الهوية و اللغة،و كيف تمت صياغتهما بنفس انفعالي يترجم ربما ضيق صدر المحرر، و الذي يصنف ضمن فقهاء القانون الدستوري، إذ ما محل كلمة "تظل" في بداية الفصل، و هي تشير لرسمية اللغة العربية،و كأن هناك من كان يصارع من أجل إسقاطها، و ما محل كلمة " أيضا" و هي تجر جملة اللغة الأمازيغية كلغة رسمية؟؟
ما معنى الحسانية، لا هي رافد و لا ثقافة و لا لغة، عجز عن التصنيف في المتن الدستوري، يكشف الإقصاء و التهميش الذي عاناه ربما ممثلي الأقاليم الصحراوية في مداولات أعضاء اللجنة؟؟
ما معنى الفقرة الأخيرة من الفصل 30، و الذي يحدد شروط تسليم الأشخاص المتابعين و المدانين ، و حق منح اللجوء ، ضمن  فصل ينظم التصويت الانتخابي، كأرقى ممارسة للفعل الديمقراطي؟؟؟

ما معنى مضمون الفصول 41 إلى 59، غير إحكام المؤسسة الملكية على كل مناحي الحياة السياسية، تسييرا و تنفيذا و تحكيما؟ استبدال اسم الوزير الأول برئيس الحكومة؟؟ و ماذا بعد؟ يعين الملك الوزراء بناء على اقتراح من رئيس الحكومة، فأين اختفت جملة "و يكون اقتراحه نافذا" التي تسربت في المسودة الأولى؟؟
ليس كل الدستور بهذا السوء،ففيه مكتسبات فئوية ، للمرأة و الشباب مثلا، لكنها تبقى ملتبسة إذ أنها تقيد بنص الدستور في جملته و في فلسفته،و فيه أساسا مكاسب للنخب السياسية التي ناضلت باستماتة كي لا تمس تمثيليتها في المؤسسات البرلمانية و النيابية، و تضمن المكاسب الريعية التي تربت عليها…
دون ذلك، نبقى أمام صيغة متجددة لدستور قديم، فيه الضئيل من الجديد، بما لا يناسب الحراك المغربي، أو لربما بما يناسب خفوت وهجه، و الاطمئنان لمحدودية فعله المغربي،هو التزام أخلاقي للدولة، بإهدائنا شيء اسمه الدستور بعد أن أطمئنت لوداعتنا…