الدكتور عبدالكبير بلاوشو – كلية العلوم الرباط:

وحيث أننا ننفق بالصبر على أيامنا و نقف في هذه الأيام عند أبواب سياسة تخلي الدولة عن إلتزاماتها في رباعية الكرامة المذكورة في المقال السابق وعلى رأسها مجانية التعليم, فإن الأيام القليلة الماضية كانت كافية لتعداد مجموع الخرجات الإعلامية لمن هو جالس على قضايانا لنقف عند حجم المغالطات في السياسة والإجتماع و عدم الاقتصاد في الكلام, وثقلها على حسرة النفس وما أنتجت وابتعادها عن منطق العقل والصواب وما أفرزت, مغالطات لنا فيها رأي نقاسمكم إياه.
أولا: الكل يدرك أن المجلس الأعلى هو مؤسسة دستورية استشارية مستقلة, مجلس يتمتع بصلاحيات تقييمية واقتراحية بعبارة أخرى هو فضاء للتفكير الإستراتيجي. بمعنى آخر نحن أمام مؤسسة مستقلة عن الفعل الإيديولوجي والإختيار السياسي للجهاز التنفيدي وأيضا مؤسسة مستقلة في صناعة قراراتها وأن صلاحية التقييم والإقتراح تصب في مسلك تصحيح الإنحرافات وتقويم الأوضاع بعد الدراسة المتأنية والبحث العميق أثناء طلب رأيه في الإحالات الموجهة إليه . أمام هذا التوضيح كيف يمكن إيجاد تفسير لتواجد الأمين العام للمجلس -وهو يمثل إدارة المجلس- ضمن أعضاء اللجنة الحكومية لصياغة مشروع الإطار القانون في مقابل تمتيع رئيس اللجنة ذاتها (مستشار رئيس الحكومة) بالعضوية في لجنة صياغة ٍرأي المجلس حول المشروع المحال إليه من طرف رئاسة الحكومة وبشكل إستعجالي. هذا الزواج العرفي بين المجلس والسلطة الحكومية يسميه أهل الإختصاص باستراتيجية إختراق الأبنية وهو ما أفقد للمجلس إستقلاليته.
ثانيا: نعيب الزمان والعيب فينا عندما نقول بأن هذا مجرد رأي ويقول آخر متخصص في القول أن هذا رأي غير نهائي, رأي لم يستوف الشروط القانونية وأن مسطرة المصادقة لا زالت في بدايتها. لا أيها الحكيم هذا رأي ليس كالآراء المتداولة بين عموم الناس أو في أجهزة المنظمات والهيئات, هذا رأي مؤسساتي منبثق عن هيئة دستورية ويجسد خيارا استراتيجيا منحه المجلس بشكل مجاني للجهاز الحكومي لتوظيفه لاحقا كأداة في وجه المؤسسة التشريعية لشرعنة تمرير مشروع الإطار القانون المتضمن لإلغاء مبدأ المجانية وبشكل تدريجي. وهذا ما يسميه الخبراء في المجال بثقافة التواطئ المؤسساتي في إطار سياسة الإستعجال تارة والتدرج تارة أخرى لسحب الخدمات من تحت أقدام مجتمع مغلوب على أمره. نحن أمام مسؤولية أخلاقية وتاريخية يتحملها المجلس ومسؤولية سياسية تتحملها الحكومة. ونحن عندما أتينا المجلس أردناه مؤسسة وطنية إستراتيجية حقيقية وليس أداة في يد الجهاز التنفيدي.
ثالثا: كثر الحديث من خلال الخطاب التبريري عن الأسر المعوزة والأسر الميسورة في غياب تام لأية دراسة مستقلة أو تدقيق أو تحقيق في هكذا تصنيف مجتمعي, وهذا ما جعل المسوغ الكلامي لصاحب الكلام فاقد للذوق والمعنى. علما أن الأسر الميسورة لا تلج المؤسسات العمومية (والتي أريد لها أن تكون فضاءا للإكتظاظ والتكديس البشري من أبناء الأسر الفقيرة والمتوسطة). فعوض السعي إلى تحقيق الجودة المطلوبة كشرط إلزامي في الميثاق الوطني يتم إقبار الولوجية والمجانية بإسم التضامن الوطني.
أسر ميسورة من أجل ضمان إستمرارية نسلها يشيد لها معاهد ومدارس من نوع خاص لأن الإختصاص دقيق والولوج إليها فقط لمن هو أنيق, إنها نوادي التعليم والتكوين وصناعة الجيل الجديد من النخبة والقيادة. أما داخل منظومة الفقر فهناك الأسر المعوزة و الأسر المحرومة والأسر المهمشة و الأسر المقهورة ولائحة التصنيف طويلة, أضف إلى ذالك عدم إستقرار مؤشر الحالة الإجتماعية لدى الأسر المتوسطة الدخل والتي أضحت اليوم من الأسر المهددة بالسقوط الحاد إلى خط الأسر الشبه الفقيرة. فالحديث لا يستقيم باستدعاء هذا المبرر في خطاب الإقناع.
رابعا: لا أحد يعترض على ثقافة التضامن الوطني لأنها من أصولنا ومن عمق ورصيد نظامنا الأخلاقي والعقائدي. لكن أمام الضاقة الاقتصادية والظلم الاجتماعي المستشري فإن هذا المفهوم اليوم يشترط تحقيق آلية التضامن المؤسساتي كشرط أولي (من طرف الأقطاب والشركات وقطاعات الإنتاج والمؤسسات العابرة للحدود, وأيضا من طرف الجالسين على قضايانا والذين يتقاضون من هنا ومن هناك الملايين بالصفة وبدعوى السهرعلينا وعلى شؤوننا…….). نخبركم أيها الساهرون -على تدبير أمورنا في أفق 2030- أن جارتنا طلعت مؤخرا على شعبها كالبدر للإعلان رسميا عن تخفيض رواتب الوزراء في حكومتها بما يقارب 25% في إطار التضامن الوطني.
وكي نكون أكثر دقة فالجرأة السياسية تقتضي إعادة النظر في النظام الضريبي بما يفيد تحقيق التوازن والإستقرار في ظل ميزان العدالة الإجتماعية. الغريب في واقعنا أن دافعي الضرائب في وطننا هم من موظفينا ومستضعفينا والمطالبون اليوم بأداء الرسوم كضريبة إضافية على الحق في تعليمنا. فإذا تم التسليم باستجابتنا القهرية لهذا الإجراء المجحف في حقنا فإننا نطالبكم أيها الجالسون على قضايانا باسترداد مستحقاتنا من الضرائب لأن هذا القرار هو ضرب لقدراتنا.
إن النظام التعليمي في إطار التعاقد بين المجتمع والدولة يمول من المالية العمومية في ظل نظام ضريبي عادل ومنظومة حكامة راشدة في التدبير والتسيير حتى لا ينهار مفهوم دولة المجتمع على حساب مجتمع الدولة.
خامسا: رغم شبه المجانية المتاحة فإن 70% من طلبة الجامعة لا يتجاوزون السنة الأولى في التحصيل الجامعي, وأن الحاصلين على الإجازة لا يتعدى حدود 7%, تخيلوا معي النسبة المائوية الكارثية مع نهج سياسة إلغاء المجانية إنها إستراتيجية الهدر المطلق للموارد البشرية وما سيترتب عن ذالك من ظواهر إجتماعية وسياسية وإقتصادية -ماذا نريد لإدارة هذا الوطن ?! مواطن صالح يستشعر الوطنية أم مشروع صناعة مجرم طالح- أضف إلى الأرقام أعلاه أن تكلفة الطالب الحالية في المؤسسات ذات الإستقطاب المفتوح لا تتعدى درهما واحدا في اليوم من ميزانية التسيير والتي يطلقون عليها عبثا إعانة الدولة. هذا ما ينبغي أن يصار في الخطاب التبريري لدعاة خوصصة المؤسسات العمومية في خرجاتهم الإعلامية لإقناع المجتمعات المعوزة علما أننا أضحينا جميعا معوزين -عوز في الأداة قد يقابله عوز في الأدب ومكارم الأخلاق- إنها الضريبة على القيم وليس القيمة المضافة على الضريبة.