الطريق طويلة من مكان هبوط الطائرة إلى خارج المطار. تقطع خلالها مسافة تقدر بساعات. البداية، تقودك إلى الموظف المكلف بالجوازات بعد أن انتظرت دورك حوالي ساعة من الزمن. تقول “السلام عليكم” لكنه لا يجيبك بل ينظر إليك ثواني دون أن يبتسم، ليخبرك أنك تحتاج إلى “بصمة العين” لأنها ضرورية من أجل المرور. تذهب لتجد صفا طويلا لكنك تنتظر… ليس لديك حل. تقوم بالمطلوب وتعود إلى طابور آخر. تنتظر من جديد والدقائق تجري وأنت تحاول اللحاق بها. ترجع إلى الشخص نفسه المكلف بجوازات السفر، وبعد أن يتفحص أوراقك يقول لك “حياك الله…مرحبا بك في دبي”.
الإنجليزية…اللغة الرسمية في دبي!
لا شيء خارج القاعات المكيفة للمطار يوحي أنك في بلد عربي. لا تتوقف السيارة في الطرقات الواسعة…ليس هناك ما يدفعها إلى ذلك، لا ازدحام ولا دخان ولا “كلاكسونات” السيارات. العمارات الشاهقة والمراكز التجارية العملاقة تحييك، تقول لك بلغتها مرحبا بك في دبي. عاصمة لا يمكن ربما لأي ربورتاج صحافي أن يوفيها حقها. ربما تحتاج إلى أكثر من واحد. كل جزء صغير فيها يستحق كتابا لوحده.
أمام الفندق وقف عامل يبدو من سحنته أنه هندي، يحمل حقائبك ويدلك على الطريق إلى قاعة الاستقبال. هنا الابتسامة مرسومة بعناية على شفاه “المستقبلة” الفليبينية. ترحب بك بلغة إنجليزية قبل أن تطلب منك الالتحاق بغرفتك.
تبحث في الشارع عن المواطنين الأصليين في البلد. لا تجد سوى خليط من كل الجنسيات والقارات. يقدر مرافقنا الهندي ساتيسان عددهم بأزيد من 100 جنسية. خليط يجعل من الإماراتيين أقلية وسط عاصمة بلدهم والقلب النابض لها. يقول ساتيسان “هنا لن تقابل سوى عدد قليل جدا من السكان الإماراتيين…في الشارع لن تقابل إلا أبناء بلدي والقادمون من بعض دول آسيا مثل الفلبيبن وأندونيسيا والتايلاند..وحتى بلدان عربية الذين يعملون هنا في مراكز الاستقبال وشركات الأمن الخاص كما يشتغلون كسائقي سيارات خاصة وطاكسيات”. لا يتحدث زملاء ساتيسان (أو بالدون جنسية كما يسمون) كثيرا ..أينما وليت وجهك تجدهم أمامك، وإن تحدثوا معك فإن ذلك يدخل في نطاق عملهم عندما يقدمون المساعدة أو في إطار المجاملة. يضيف مرافقنا أن الإماراتيين لا يشتغلون سوى في أسلاك الشرطة والجمارك أو كرجال أعمال وأطر عليا، في حين مهن الخدمات الأخرى متروكة إلى المهاجرين القادمين من دول آسيا وإفريقيا.
قدم ساسيتان إلى دبي قبل حوالي 10 سنوات تاركا خلفه عائلته في الهند، التي يزورها مرة كل سنة. يقول إنه يرسل المال كل شهر إلى أسرته المكونة من زوجته وأبنائه وأختيه ووالديه. يضيف أن عمله سائقا في شركة متخصصة للسيارات توفر له مدخولا مناسبا “العمل موجود…وحتى الراتب محترم”، يقول محدثنا الذي لا يخفي رغبته في العودة يوما ما إلى بلده، مشيرا إلى أن “الكفيل الذي يضمن كل مهاجر يحتفظ بجواز سفر المهاجر لديه خصوصا بالنسبة إلى أصحاب المهن الصغيرة في حين الأجنبيون العاملون في الشركات الكبرى لا يعانون نفس المشكل”.
لا يتحدث سكان دبي إلا اللغة الإنجليزية التي تحولت إلى ما يشبه اللغة الرسمية للعاصمة. المتحدثون باللهجة المحلية يعدون على رؤوس الأصابع مقارنة مع باقي السكان، من موظف الاستقبال إلى البقال مرورا بالسائق. حتى المعلومات المقدمة في كتاب الإرشاد السياحية بالفندق تقول إن العربية هي اللغة الرسمية، إلا أن لغة شكسبير والأردو متداولة على نطاق واسع. السبب أن السكان الأصليون الذين يقطنون في الأحياء الراقية بالإمارة العملاقة بأبراجها لا يمثلون سوى نسبة ضئيلة من عدد سكان دبي مقارنة مع المهاجرين. هؤلاء لا يتقنون اللغة العربية وبالتالي تظل الإنجليزية لغة التواصل اليومي لديهم. هذا الوضع يدفع السلطات إلى التشدد في عملية منحهم الجنسية التي يبقى الحصول عليها من سابع المستحيلات بالنسبة إلى هؤلاء.