إيلاف////

مع ارتفاع معدلات البدانة في المجتمعات الصناعية، ومع تصاعد معدلات الأمراض المتعلقة بالبدانة، ينتشر بين الناس نوع من “الهوس” إزاء اللياقة البدنية والرشاقة والحميات.

ويقف الإنسان بحيرة اليوم أمام العدد غير المحدود من أنواع الحمية الصحية: حمية البحر المتوسط، وحمية الكربوهديرات، وحمية الشحوم، والتغذية الفيغانية… إلخ. ثق بالجسد يقف الباحث الألماني اوفه كنوب ضد زملائه علماء التغذية الذين ينصحون بهذه الحمية أو تلك، ويقول في كتابه: “إنس كل هذه الحميات وثق بنفسك، وثق بجسدك، وغريزتك، لأن جسدك يعرف بالسليقة ما يحتاج إليه”.

فالباحث الألماني، وخبير التغذية المعروف، لا يعترف بالحمية لأن البشر يختلفون عن بعضهم من ناحية الجسد، وما يمكن أن يكون ضارا لأحدهم قد يكون نافعا للآخر. إذا استفاد واحد من حمية الكاربوهيدرات، فإن الآخر قد يتضرر منها، وربما لا ينجح في تخفيف وزنه لأن متطلبات جسده مختلفة. يريد كنوب أن يعيد للإنسان ثقته بعقله وبجسده، لأن صيغ التغذية الصحية تنوعت وصارت تبعث فيه القلق، تدعي أنها آخر صيحة في عالم الرشاقة والتغذية الصحية. لكن البدانة والرشاقة لا تقررهما التغذية فقط، لأن الجينات تؤدي دورا أكبر، وليست الجينات أكثر من مطلق للإشارات حول حاجة الجسد من التغذية. يمكن للجينات وحدها أن تقرر أحيانا إذا كان هذا الإنسان سيتجه نحو البدانة أو الرشاقة.

دماغان 

يتحدث كنوب في كتابه عن دماغين يتحكمان في حاجة الجسد إلى الغذاء. دماغ في البطن وآخر في الرأس، يقرران إذا كان الجسد بحاجة إلى سكريات أم إلى دهنيات.

يقول، على سبيل المثل، إن الإنسان عندما يريد أكل حبة كيوي فإن دماغه يقول له إن الكيوي يحتوى على الكثير من فيتامين سي، وعلى سكريات أقل من غيره من الفواكه، لكن دماغه الآخر في معدته هو الذي يتلذذ بالكيوي. يبقى الإنسان في حيرة بسبب تعدد صيغ الحميات بين قرار دماغ الرأس وقرار دماغ البطن، ولا يعرف بأن الدماغ البطني يتحدث عن حاجة جسدية، في حين يتحدث الدماغ في الرأس عن حاجة معنوية تتعلق بالرشاقة والصحة. هذا يعني أنه يمكن للإنسان أن يأكل كل ما يريد، استجابة لنداء بطنه، لكن عليه أن يعرف ماذا يأكل وكيف يأكل استجابة لعقله. من المعروف أن الإنسان ربما يأكل أكثر مما يريد بسبب الاكتئاب أو الضجر أو لمجرد البقاء في البيت أمام التلفزيون، وهنا عليه أن يغلب العقل على المعدة.

ولم يتوصل الكاتب إلى قناعته الداعية إلى نسيان صيغ التغذية المعروفة عن طريق تجربته الشخصية فحسب، إذ حلل معطيات أكثر من ألف دراسة حول مختلف أنواع التغذية الصحية. وتوصل إلى قناعة بأن نتائج هذه الدراسات نسبية وعمومية ولا تصلح لجسد كل إنسان. توصل أيضًا إلى أن التناقضات بين هذه الدراسات أكبر من قواسمها المشتركة، كما تختلف من دراسة إلى أخرى بالعلاقة مع الفوائد المرجوة من مختلف المواد الغذائية.

لا أحد 

يضيف الكاتب أنه يتمنى لو تحول إلى نباتي أو إلى كاربوهيدراتي، لكنه لا يستطيع البت بأنه حينها سيعيش في صحة أفضل من غيره.

هذا لأن كل دراسة، وكل نمط من التغذية، يدعي أنه الأفضل صحيًا للإنسان، وانه ضمانة عمره الطويل. والواقع أن العمر والصحة تقررهما عوامل أخرى، فليس بالغذاء وحده يعيش الإنسان. طبيعي، بالنسبة إلى الباحث كنوب، أن تختلف تغذية المريض عن تغذية الإنسان السليم صحيا، وخصوصا في الأمراض الشائعة مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري والنقرس…إلخ. وعلى المريض، بحسب نصيحة كنوب، أن يبرمج غذاءه مع الطبيب متجنبًا الأغذية التي تعقد وضعه الصحي، لكن على الإنسان الخالي من الأمراض أن يأكل ما يريد من دون خشية من الغذاء، لأن جسده السليم سينظم كل شيء. لكن هذه ليست دعوة لـ”الانفلات” في الطعام والتغذية، لأن على الإنسان أن يروض الدماغين في معدته وعقله على “حد الشبع”.

ليس انجيلا

يقول كنوب إنه ضاق ذرعًا بالتحذيرات من هذه الأغذية أو تلك، أو من تفضيل الأغذية البيولوجية على غيرها، لأن ذلك ربما يتعلق بالتجارة أكثر مما يتعلق بالصحة. ويثبت العديد من الدراسات أن المنتوجات العضوية ليست أفضل من غيرها، ويسخر خبير التغذية أيضًا من محاولة فرض الصحة العامة بالقوانين، مثل فرض الضراب على الدهون وعلى السكر والملح… إلخ، لأن الجسد يقرر حاجة الإنسان للملح، مثلا، ويدفعه دفعًا لتفضيل الأغذية المالحة على السكرية. وعلى الرغم من كل هذه النصائح، يحذر أوفه كنوب من انه لم يكتب “إنجيلا مقدسا” للتغذية، وإنما يحاول مساعدة الإنسان في التخلص من خوفه أمام الغذاء، وان ما كتبه يبقى ارشادات لمن زرعت الدراسات والحميات المختلفة الشك في قدرة جسده.