كود : يونس أفطيط//
في قبيلتنا، لا أحد يعرف اليزمي ولا الصبار، حتى بنكيران لا يعرفونه، لم يسمعوا يوما بالدستور، وكل ما يعرفونه ملخص في الشيخ والقائد والدرك والملك، هذا هو المخزن في نظرهم إلا بعضهم الذين يزورون المدينة.
في هذه القبيلة قد يقتل الصبار والازمي بالهرطقة، ولكن مهلا ليس هما فقط بل أضف إليهم بنكيران وكل من يتحدث عن الميراث والقسمة، وحتى لو أخبرتهم أن بنكيران من المخزن وأن الصبار واليزمي هما الآخران أصبحا من المخزن فلن يصدقوك، سيقتلون كل من يقول أن الانثى لها حق في ميراث أجدادهم، سيقتلون كل من يحرك شفتيه لأن أراضيهم تم وقفها على الذكور فقط.
أنتم لا تعرفون الحكاية، لأني لم أحكيها يوما، دائما كنت أتحاشى الدفاع عن هؤلاء النسوة لأني طرف في القضية فأنا إبن واحدة من مئات النساء اللواتي هضمت حقوقهن في مجتمع ذكوري، ولو سألتُ أمي اليوم ما رأيها فيما يقول الازمي وبنكيران، سترمقني بنظرة إستغرابية وتخبرني أن هؤلاء كان الاجدى لهم أن يدافعوا عن حقوق النسوة في إسترداد حقوقهن التي يكفلها القانون بدل الحديث عن مقدار ما تستحقه النساء على الاوراق فقط.
أصل الحكاية قديم، لا أحد يعرف منذ متى تم إبتداع أن النساء لا يرثن حتى شجرة الزيتون، أما الاراضي فممنوع عليهن المطالبة بها، أصبح الامر عادة، النساء لا يرثن والاراضي كلها وقف على الرجال، تناقلت الاجيال هذا الكلام وصار الامر عاديا حتى أضحت النسوة متيقنات أن لا حق لهن في شبر مما ترك أباءهن.
لم تكن أمي التي ترعرعت في بيت الزوجية وهي بعد لا تزال قاصرا تعي هذا الامر، لم يكن لها هم في ذلك، لكن جدي الذي حرم أخته من ميراثها لأنها أنثى قصد في آخر أيامه المحافظة العقارية لمعرفة إن كانت النساء بالفعل لا يرثن في الاراضي، لم يجد جوابا شافيا فقصد علماء دين ومؤسسات أخرى إلى أن أيقن أنه لا وجود لهذا الامر لا في القوانين ولا في شرع الله، عاد إلى بيته في المدينة وكان إبنه الفقيه وأمي ينتظرانه، أخبرهما بالامر وإستدار نحو والدتي وقال لها “إن مت لا تتركي حقك أنت وأخواتك”، وتكمل أمي أنه إستدار نحو خالي الفقيه الذي يؤم الناس في أحد مساجد فاس وقال له :” أما أنت يا حامل كتاب الله فإني أستئمنك على هذا الامر، إن مت أعطوا إخوتكن حقوقهن”.
مات جدي بعد أشهر ولم تكن القسمة كما إشتهاها، فأنكر الفقيه أنه سمع يوما هذا الكلام، وأقسم أن الامر مجرد إفتراء، فلم تجد والدتي بدا من الذهاب إلى المحكمة علها تنصفها وساندنها في ذلك خالتاي، وبعد 13 سنة في المحاكم قرر القاضي أن الساء يرثن، وكانت المفاجأة أن قرارا مثل هذا إستدعى من القاضي 13 سنة، وحتى يقرر إن كانت القوانين بالفعل صالحة أم لا.
الآن مرت عشر سنوات أخرى على حكم القاضي، لكن لا شيء تغير لازالت النسوة لا يرثن ولا زال ميراث والدتي وخالاتي في يد أخوالي، وقد سألت أمي ذات مرة عن مقدار الميراث من المال، فأخبرتني أنه لا يتجاوز الأربعة ملايين، وحسبت مقدار المال الذي ضاع في المحاكم والسفر والمحامي وإكتشفت أن القضية منذ البداية خاسرة لأن كلفة القضية كانت أكبر من الميراث نفسه، لكنها أخبرتني أنها لا تفعل ما تفعله من أجل المال، بل تنفذ آخر وصية لوالدها وتفعل ذلك أيضا للقطع مع هذه البدعة التي إبتدعها الذكور.
أخاف اليوم أن احدث أمي أن كبار البلاد يتحدثون عن النساء وعن حقوقهن في الميراث، أخاف لأني أعرف أنها ستخبرني أن أخبرهم أن ما يتحدثون عنه ضرب من الخيال وكلام مسطر على الاوراق فقط، فلا القضاء ولا السلطات بكل جبروتها إستطاعت أن تنفذ حكما قضائيا لإستعادة حق ثلاث نسوة، لأن الدعوى القضائية لم تكن ضد أخوالي فقط، بل كانت ضد قبيلة بأسرها، ضد مجتمع ذكوري يرى أن المرأة لا حق لها وأنها مخلوق أوجده الله للجنس والولادة وخدمة الرجل.