سوسن إسماعيل عدناني كود ///
فِي كُلّ مَرَّة كَيخْرُجْ فِيهَا حسن الفد يهضر على ظاهرة اجتماعية، أو يشخّص شخصية من الشخصيات اللي كنعرفوها كاملين فهاد البلاد، كتنوض نفس الجوقة: جوقة الغضب، والتخوين، والادعاء بأن الرجل “كيحتقر الشعب” أو “كيضحك على البسطاء”. والحقيقة أن المشكل ما عمره كان فالكوميديا، ولا فالشخصيات، ولا حتى فطريقة التقديم. المشكل الحقيقي هو أن حسن الفذ، ولأكثر من ثلاثين سنة، كان دائماً مرآة مزعجة لمجتمع لا يحب أن يرى نفسه كما هي.
المشكل الوحيد اللي عندي مع حسن الفذ هو أنه فذّ فعلاً وعبقري، ولكن وسط مجتمع هرگاوي وحقود، مجتمع تعوّد يصفّق لأي نقد يجي من الخارج، ويثور فقط عندما يجيه التشخيص من واحد “من ولاد الدار”. وهنا تبدأ عنصرية الرأي الواحد: مسموح للأجنبي، ولمشاهير الغرب، ولمثقفين الصالونات، أن يحللوا المجتمع، ويغوصوا في أمراضه النفسية والسوسيولوجية، بل ويتم الاحتفاء بهم باعتبارهم “جريئين”. أما حين يفعلها حسن الفذ، فجأة يصبح الأمر “استعلاء طبقياً” أو “احتقاراً للفقراء”.
الغريب أن نفس الشخص الذي يغضب من الفذ، يمكن أن يجلس ساعات يشاهد Dave Chappelle أو Bill Hicks أو Pierre Desproges وهم يسخرون من كل شيء: الدين، السياسة، الطبقات الاجتماعية، العنصرية، الفشل الإنساني، وحتى من الجمهور نفسه. بل يعتبر ذلك “كوميديا ذكية”. لكن عند حسن الفذ توجد حدود مقدسة فجأة، وكأن المغربي كائن هشّ لا يتحمل أن يرى نفسه في المرآة.
النظرية الأكثر سذاجة التي خرجت من هذا المد التهركاوي هي: “ما عندكش الحق تهضر على الهرگاوي حيث درتي منو الفلوس”. وكأن الفنان، حين يشخص شخصية اجتماعية، ملزم أن يطلب ترخيصاً أخلاقياً ممن يشبهونها. وكأن الإبداع أصبح مطالَباً بأن يعتذر قبل أن يبدع. والحال أن كل الأدب، وكل المسرح، وكل الكوميديا، منذ آلاف السنين، مبنية على التقاط النماذج البشرية، وتحويلها إلى شخصيات تكشف تناقضات المجتمع.
بل الأكثر إثارة للسخرية، أن كثيراً ممن يهاجمون الفذ بدعوى الدفاع عن “الهامش”، لا يملكون أي ثقافة حقيقية حول الأعمال التي يستدلون بها. فجأة يتحول البعض إلى نقاد أدب يستشهدون بـ نجيب محفوظ، رغم أنهم لم يقرؤوا له سطراً واحداً. يتحدثون عن “الانحياز للفقراء” وكأن محفوظ كان يجمّل الهامش ويقدّسه، بينما الحقيقة أن محفوظ فضح أمراض المجتمع المصري بلا رحمة، إلى درجة أن التطرف والكراهية أوصلا إلى محاولة اغتياله. لأن المجتمعات التي تكره المرآة، تحاول دائماً كسرها بدل أن تواجه صورتها.
وحسن الفذ لم يخترع “الهرگاوي”، بل فقط أعطاه اسماً متداولاً. هذه الشخصية موجودة في كل مكان: في السياقة، في الإدارة، في النقاشات، في العلاقات اليومية، في عقلية “أنا ومن بعدي الطوفان”، وفي ذلك الخليط الغريب بين الإحساس بالمظلومية والعدوانية الدائمة. وحين تحدث عنها لأول مرة، أعطى أمثلة دقيقة جداً، مثل شخص يقود سيارة فارهة لكنه يتصرف بعقلية الفوضى والابتزاز وقلة الذوق. أي أن المسألة لم تكن طبقية أبداً، بل سلوكية وثقافية.
لكن لأننا أصبحنا نعيش زمن الحساسية المفرطة والشعبوية الرخيصة، صار كل نقد اجتماعي يُقدَّم وكأنه حرب على الفقراء. وصار بعض الناس يعتقدون أن مهاجمة الفذ تجعلهم “ثواراً” أو “مدافعين عن الشعب”، بينما هم في الحقيقة يدافعون عن الرداءة، وعن حق المجتمع في البقاء غارقاً في نفس السلوكيات دون مساءلة.
الأسوأ في هذا كله أن هذا “الحجر” المنتشر اليوم ضد الإبداع، لا يواجه السلطة الحقيقية ولا العنف الحقيقي ولا التهديد الحقيقي. تجده يركع لصاحب النفوذ، ويصمت أمام البلطجة اليومية، لكنه يتحول إلى أسد أخلاقي فقط أمام فنان أو كاتب أو مبدع. يشهر سيفه ضد ممثل، لأنه أضعف وأسهل، ولأن الإبداع دائماً هدف مريح للجبناء.
فما هي جريمة حسن الفذ في النهاية؟ هل سرق؟ هل حرّض؟ هل مارس العنف؟ لا. جريمته الوحيدة أنه نجح. وأنه استطاع أن يخلق من لا شيء شيئاً كبيراً، وأن يبني شخصية فنية عابرة للأجيال، وأن يلمس مناطق حساسة داخل المجتمع المغربي. لقد أخرج ذلك الحقود الصغير الساكن داخل كثيرين، ذلك الذي لا يتحمل رؤية شخص ناجح يتحدث بثقة، أو يضع إصبعه على الجرح.
ولهذا، سواء أحبّه الناس أم كرهوه، يبقى حسن الفد واحداً من القلائل الذين امتلكوا الجرأة ليقولوا للمغاربة: “ها أنتم كما أنتم”، دون تزيين، ودون نفاق.
وحدها المجتمعات الواثقة من نفسها تضحك على عيوبها. أما المجتمعات المأزومة، فتعتبر كل مرآة مؤامرة.