الرئيسية > آراء > ترابي يكتب عن اليوسفي اللي كيعرفو : هذا رده على كتابة مذكراته ومرة فاجأني بانه يتابع برنامجي على “دوزيم” وقال لي: علاش دائما ملي كيكون شي نقاش سياسي الضيوف كيكونوا غالبا رجال وفين النساء خاصك تستضافهم اكثر
29/05/2020 16:15 آراء

ترابي يكتب عن اليوسفي اللي كيعرفو : هذا رده على كتابة مذكراته ومرة فاجأني بانه يتابع برنامجي على “دوزيم” وقال لي: علاش دائما ملي كيكون شي نقاش سياسي الضيوف كيكونوا غالبا رجال وفين النساء خاصك تستضافهم اكثر

ترابي يكتب عن اليوسفي اللي كيعرفو : هذا رده على كتابة مذكراته ومرة فاجأني بانه يتابع برنامجي على “دوزيم” وقال لي: علاش دائما ملي كيكون شي نقاش سياسي الضيوف كيكونوا غالبا رجال وفين النساء خاصك تستضافهم اكثر

عبد الله ترابي كود ////

بالنسبة لجيلي، و الذي بدأ اهتمامه بالسياسة في بداية التسعينات مع النقاش حول التناوب و قبول أحزاب الكتلة الوطنية بتشكيل الحكومة، كان عبد الرحمن اليوسفي يبدو كرجل قادم من زمان أخر. لم يكن خطيبًا مفوهًا و لم يكن صاحب كاريزما استثنائية و لكن تاريخه النضالي و النقابي و السياسي و نظافة يده كانت تخلق حوله هالة من الوقار و الاحترام. بالنسبة لنا في تلك الفترة، لم يكن اليوسفي زعيما بل كان رمزًا لمرحلة لم نعشها و جسرا لمرحلة أخرى كنا نود أن نعيشها. كان اليوسفي في مخيلتنا كشباب تجسيدا للكفاح من أجل الاستقلال و العمل السياسي و الحقوقي في مواجهة التسلط و عنف الدولة، و لكنه صار مع تجربة التناوب بمثابة جسر للعبور نحو الديموقراطية و احترام حقوق الإنسان و الانتقال من عهد لأخر.

النقاش حول نجاح هذه التجربة أو فشلها يبقى مشروعا و طبيعيا، و لكن ما لايستطيع أن ينكره أحد أن هذه التجربة التي قادها عبد الرحمن اليوسفي ، قد أخرجت المغرب من الاحتقان السياسي الذي عاشته البلاد منذ عقود و ساهمت في انتقال سلس للحكم من ملك لآخر و صاغت مجموعة من الإصلاحات الاجتماعية و القانونية التي مازال أثرها ملموسًا إلى اليوم ( التأمين الإجباري عن المرض مثلا ). و حتى بعد ابتعاده عن العمل السياسي و عن الأضواء، ظلت هالة الاحترام و التقدير تحيط بالرجل حتى وفاته.

لاأدعي بأني كنت أعرف جيدًا الرجل، و لكن في السنوات الأخيرة ، و بدعوة من أصدقاء مشتركين، كنت محظوظا بمشاطرة بعض وجبات الغداء مع سي عبد الرحمن اليوسفي. ما كان يثيرني فيه هو أنه كان ينصت أكثر مما يتكلم و يسأل أكثر مما يجيب. كان يطلب من مجالسيه رأيهم حول بعض الوقائع و الأخبار بدون أن يعلق على ما يسمعه. كان دائم الابتسامة و مرحًا جدا و مسرورا بإحاطة الناس له و الاهتمام به.

أثناء أحد هذه اللقاءات، شعرت بالفرح و الزهو عندما قال لي بأنه يتابع ، تقريبا كل أسبوع، البرنامج الذي أقدمه على القناة الثانية، ثم أضاف ” و لكن عندي واحد الملاحظة : علاش دائما ملي كيكون شي نقاش سياسي، الضيوف كيكونوا غالبا رجال…واش المغرب ما فيهاش نساء قادرات يتكلموا في أمور البلاد؟ خاصك تستضيف نساء أكثر في البرنامج الذي تقدم” حاولت أن أشرح له بأن الحقل السياسي بالمغرب ذكوري و أن من الصعب ايجاد نساء للمشاركة في برامج حوارية حول السياسة. لكن شرحي لم يكن مقنعا لسي عبد الرحمن اليوسفي.

في لقاء أخر، أعدت عليه ما كان يطلبه منه الكثيرون: كتابة مذكراته الشخصية التي تحكي تجربته الطويلة و التي ستمكن من فهم مجموعة من الأمور في تاريخ المغرب. اقترحت عليه أن أساعده في تجميعها و صياغتها. ابتسم من طلبي و قال ” أش غا تدير بها، هذاك ماضي و فات”. رحل عبد الرحمن اليوسفي و رحلت معه بعض من أسرار و خبايا المغرب الحديث، و بقيت سيرته الطيبة و تاريخه النضالي و سمعته كأحد أخر الرجال المحترمين في هذه البلاد.
رحم الله سي اليوسفي.

موضوعات أخرى