سعيد الشاوي – كود كازا///

عرفت الجلسة التي عقدتها غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال بالدار البيضاء، يوم الخميس 20 نونبر، آخر جلسات النيابة العامة في ملف “إسكوبار الصحراء”، أحد أعقد الملفات القضائية في السنوات الأخيرة، قبل منح الكلمة لدفاع المتهمين انطلاقا من الجلسات المقبلة لهذا الملف، وعلى رأسهم سعيد الناصري، الرئيس السابق لنادي الوداد الرياضي والرئيس السابق لمجلس عمالة الدارالبيضاء، والمتابع بتهم ثقيلة، أخطرها المشاركة في تهريب المخدرات والاتجار الدولي فيها.

مرافعة النيابة العامة قدمت سردا لما تعتبره شبكة متشابكة نسجت علاقاتها داخل عالم التهريب والمال والنفوذ. غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل قدمت النيابة العامة أدلة قادرة قانونيا على تثبيت التهم، خاصة ما يتعلق بالاتجار في المخدرات، في حق سعيد الناصري؟

فيما يلي محاولة لتحليل ما ورد في مرافعتي النيابة العامة، وما إذا كانت عناصر الإدانة مكتملة بما يكفي.

أولاً: ثقل التهم الموجهة إلى الناصري

قاضي التحقيق سبق أن وجه للناصري لائحة من التهم غير المسبوقة في ملف واحد، أبرزها:
التزوير واستعماله
المشاركة في اتفاق لتهريب المخدرات ونقلها وتصديرها
النصب واستغلال النفوذ
محاولة تصدير المخدرات بدون ترخيص
تزوير شيكات واستعمالها
المشاركة في إدخال وإخراج عملة صعبة بطريقة غير قانونية
المشاركة في عمليات جمركية غير مصرح به

ورغم خطورة الملف، فإن قلب القضية يظل هو:
هل كان الناصري فعلا جزءا من شبكة تهريب دولية للمخدرات..؟

ثانيا: الأساس الذي بنت عليه النيابة العامة فرضية تورط الناصري

خلال جلستين من المرافعة، قدم ممثل النيابة العامة مجموعة من العناصر اعتبرها “أدلة قاطعة”، يمكن ترتيبها إلى أربعة محاور رئيسية:

1. الدور اللوجستيكي في عملية تهريب 40 طنا من الشيرا سنة (2015)

النيابة العامة تعتبر أن الناصري:
شارك بطن ونصف من المخدرات ضمن شحنة 40 طنا التي جرى إحباطها بالجديدة.
سهل حركة شاحنات الشبكة عبر التدخل للحصول على وثائق تسجيل وتأمين.
منح الشبكة مستودعا لتخزين شاحنة.

وفي تحليل ذلك يظهر أن هذه الاتهامات تظل جوهرية لأنها تربط الناصري مباشرة بعملية تهريب دولية مؤكدة (2015).
لكن:
لا يوجد، حسب ما عرض علنا خلال مرافعة ممثل الحق العام أو خلال مراحل التحقيق التمهيدي أو التحقيق التفصيلي، محجوز فعلي يربط طنا ونصف بالناصري.
كما لا توجد وثائق رسمية أو أدلة واقعية تثبت قيامه بالتدخل فعلا.

الاعتماد الأكبر كان على شهادات شركاء مفترضين داخليا في الشبكة، وهي شهادات غالبا ما تحتاج إلى دعم مادي وتقني قوي.

الملف هنا يعتمد على القرائن أكثر من الأدلة القطعية.

2. الروابط المالية مع «إسكوبار الصحراء»

استندت النيابة العامة إلى:

تحويلات مالية نحو زعيم الشبكة:
80 ألف درهم – 20 ألف – 15 ألف
واعتراف وسطاء استلموا الأموال وسلموها.
وضع سيارات فارهة في مرأب نادي الوداد بإذن من الناصري.

هذه العناصر قد تقوي فرضية علاقة قوية بين الطرفين، لكنها لا تثبت لوحدها نية الاتجار في المخدرات.
لأن التحويلات المالية قد تُفسر بطرق متعددة، ما لم تكن مربوطة مباشرة بعمليات محددة. كما أن حجم المبالغ المالية المتبادلة لا يرقى إلى أن يكون دليلا على عمليات تهريب للمخدرات، خاصة إذا تم تصنيفها في إطار التهريب الدولي لهذه المواد المحظورة.

3. الاتصالات الهاتفية (69 ساعة من المكالمات)

هنا قدمت النيابة معطيات تقنية:
69 ساعة من المكالمات بين الناصري وزعيم الشبكة.

وحتى إن كانت الملاحظة الأولية تشير إلى أن زمن المكالمات والرقم المدلى به بخصوصها كبير ومؤثر، لكن:
عدد الساعات لا يثبت مضمونها.
ذلك أن القانون الجنائي يعتد بالمحتوى وليس بالكم.

ما لم تكن هناك تسجيلات أو رسائل واضحة، فهذا يبقى قرينة قوية وليس دليلا قطعيا.

4. حضور الناصري في حفل زفاف “إسكوبار الصحراء”

رغم نفيه، النيابة استندت إلى:
تحديد موقع الهاتف
شهادة لطيفة رأفت وخادمتها

والملاحظة الأساسية هنا أن وجود المتهم في الحفل ليس دليلا على الاتجار في المخدرات.
لكنه قد يستخدم لإثبات طبيعة العلاقة الشخصية بين الطرفين، والتي تضعف ادعاء “الصدفة” أو “العلاقة العابرة”.

ثالثا: ملف “فيلا كاليفورنيا”.. هل يخدم إثبات تهمة المخدرات؟

النيابة العامة قدمت تفكيكا معقدا لعقود التفويت والتوكيلات والشيكات، واعتبرت:
أن العقود مزورة ماديا ومعنويا،
وأن الشركة التي اشترت الفيلا لا تملك القدرة المالية،
وخلصت إلى أن المصادر المالية غير مشروعة وقد ترتبط بعائدات التهريب

والملاحظ هنا أن هذه الأدلة تعزز تهم التزوير وغسل الأموال.
لكن علاقتها المباشرة بتهمة الاتجار في المخدرات غير مباشرة وتقوم على الاستنتاج لا على الربط المادي.

رابعا: هل نجحت النيابة العامة في سد “ثغرة الإثبات”؟

من منظور قانوني، تهمة الاتجار في المخدرات والمشاركة في تهريبها تتطلب:

1. محجوزا ماديا

2. وسيلة نقل أو تخزين مثبتة

3. مستفيدا مباشرا

4. قرائن قوية متناسقة ومترابطة

النيابة العامة قدمت:

قرائن كثيرة: شهادات متطابقة، معطيات تقنية، علاقات مالية وشخصية، وسلوكات تواطئية.

لكن يبقى السؤال:
هل هذه القرائن تتحول إلى “دليل قاطع”؟

منطقياً:

الملف قوي في جانب التزوير واستغلال النفوذ
قوي متوسط في جانب غسل الأموال
لكن يظل أقل صلابة في جانب الاتجار الدولي في المخدرات بسبب غياب محجوزات أو أدلة مادية مباشرة.

خامساً: أين قد يهاجم الدفاع؟

من المتوقع أن يركز دفاع الناصري على:

القول إن العلاقة مع المالي بن إبراهيم شخصية وليست إجرامية، نفي أي مشاركة في شحنة 40 طنا والدفع بأن التحويلات المالية تبرعات أو معاملات تجارية.

كما يمكن الطعن في الشهادات باعتبارها “أقوال شركاء في وضعية ضعف قانوني”، مع التشكيك في قيمة تحليلات الهواتف
والدفع بأن شركة “برادو” لها معاملات سابقة
ثم الدفع بأن النيابة تعتمد على “مؤشرات” لا على “أدلة مادية”

الخلاصة.. قد تكون مرافعات النيابة العامة قوية، مترابطة، ومبنية على سرد شامل يهدف إلى رسم صورة “شبكة منظمة” متشابكة العلاقات.
لكن من ناحية قانونية صرفة:

تهمة التزوير: قوية
غسل الأموال: قوية
استغلال النفوذ: قوية
التهريب الجمركي: متماسكة
الاتجار الدولي في المخدرات: متوسطة ولا تزال تحتاج لربط مادي مباشر

ولأن الملف مازال في مرحلة دقيقة:
هل ستعتبر المحكمة أن تراكم القرائن يكفي لإثبات الجريمة..؟ أم أن غياب الدليل المادي المباشر سيمنح الدفاع هامشا واسعا للدفع بالبراءة؟

الأيام المقبلة، ومع مرافعات الدفاع، ستكشف إن كانت النيابة العامة قد نجحت فعلا في تحويل “المعادلات الظنية” إلى إدانة قضائية، أو أن مبدأ “الشك يفسر لصالح المتهم” سيمنح سعيد الناصري متنفسا كبيرا داخل هذا الملف المعقد.