هشام اعناجي – كود الرباط//
مع دخول الصراع في قطاع غزة مرحلة دقيقة بعد أكثر من عام ونصف من الحرب المدمرة، أصبح الدعم الإنساني أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، خصوصًا في ظل الأوضاع المأساوية التي يعيشها سكان القطاع.
ومع اختتام المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس في ديسمبر 2024، كثفت الدول العربية، وعلى رأسها المغرب والإمارات ومصر، جهودها لضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين، مما جعلها في صدارة الفاعلين الحقيقيين في الأزمة، بعيدًا عن المتاجرة السياسية التي لم تقدم للفلسطينيين سوى المزيد من المعاناة.
“الأونروا” ودور المجتمع الدولي
أكدت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” أنها نجحت، منذ بدء وقف إطلاق النار في 19 ديسمبر 2024، في تقديم مساعدات غذائية لمليوني شخص، وهو ما يعادل أكثر من 90% من السكان، رغم التحديات الكبيرة التي تواجه عمليات الإغاثة في ظل استمرار العراقيل الأمنية والسياسية.
كما أعادت الوكالة فتح عدد من المراكز الصحية، مما أتاح الفرصة لحوالي 180 ألف شخص في خان يونس ورفح ومدينة غزة للحصول على الرعاية الصحية، إلى جانب توفير الأغطية والملابس لأكثر من نصف مليون شخص، وإيواء 64 ألفًا آخرين في الخيام المؤقتة.
لكن رغم هذه الجهود، لا تزال الاحتياجات الإنسانية هائلة، وهو ما جعل الدول العربية الأكثر التزامًا بالدعم العملي على أرض الواقع، في مقابل الخطابات السياسية التي لم تسهم إلا في تعقيد الوضع.
المغرب.. تدخل حاسم في إيصال المساعدات الطبية والغذائية
لم يكن الدعم المغربي لغزة مجرد تصريحات إعلامية، بل تجسد على أرض الواقع من خلال مبادرات ملموسة، كان أبرزها إيصال مساعدات إنسانية مباشرة إلى سكان القطاع عبر معبر كرم أبو سالم، وهو ما شكل سابقة في طريقة إيصال الإغاثة، حيث اعتمد المغرب نهجًا عمليًا لتجنب أي تأخير أو عراقيل قد تمنع وصول المساعدات إلى مستحقيها.
وأعلنت وزارة الخارجية المغربية في بيان رسمي أن المملكة قدمت أكثر من 40 طناً من المواد الغذائية الأساسية، شملت حليب الأطفال والمواد الأساسية التي يحتاجها السكان في ظل الحصار المفروض على القطاع. ولم يكن هذا الدعم مجرد التزام حكومي، بل شمل مساهمة شخصية من الملك محمد السادس، الذي تكفل بجزء كبير من المساعدات، خاصة تلك الموجهة للأطفال والرضع، في خطوة عكست التزام المغرب بدعم الشعب الفلسطيني دون تسييس أو مزايدات.
وفي يونيو 2024، أطلقت المملكة عملية إنسانية إضافية، تضمنت إرسال 40 طناً من المواد الطبية، من ضمنها معدات لعلاج الحروق، والطوارئ الجراحية، وجراحة العظام والكسور، إضافة إلى الأدوية الأساسية التي يحتاجها الجرحى والمصابون.
لم يقتصر دور المغرب على إرسال المساعدات فقط، بل لعب دورًا دبلوماسيًا نشطًا في الدفاع عن القضية الفلسطينية ضمن المحافل الدولية، حيث حرصت الرباط على الدفع باتجاه حلول سياسية تضمن وقف الحرب، في وقت اكتفى فيه البعض بإطلاق الشعارات التي لم تقدم أي حلول عملية للفلسطينيين.
الإمارات.. أكبر جسر إنساني لإغاثة غزة
في مواجهة الأوضاع الكارثية في غزة، لم تكتفِ الإمارات بإرسال المساعدات فحسب، بل أطلقت واحدة من أكبر عمليات الإغاثة الإنسانية في المنطقة، تحت اسم “الفارس الشهم 3”، والتي كانت نموذجًا في سرعة الاستجابة وحجم الدعم.
فقط خلال شهر ديسمبر 2024، دخلت إلى القطاع 137 قافلة مساعدات إماراتية، تضم أكثر من 1205 شاحنات محملة بالمؤن الغذائية والمستلزمات الطبية، وهو ما جعل الإمارات في طليعة الدول التي قدمت دعمًا ملموسًا للفلسطينيين.
ومن أبرز المبادرات الإنسانية التي أطلقتها الإمارات، إرسال مستشفى عائم إلى ميناء العريش المصري، مزود بأحدث التجهيزات الطبية، لاستقبال الجرحى والمصابين الفلسطينيين الذين لم يتمكنوا من تلقي العلاج داخل غزة بسبب انهيار النظام الصحي هناك.
كما شاركت الإمارات في مؤتمر القاهرة لتعزيز الاستجابة الإنسانية لغزة، حيث أكدت دعمها لوكالة “الأونروا” وبرامجها الإغاثية، إلى جانب التزامها بتمويل مشاريع إعادة الإعمار لمساعدة الفلسطينيين على تجاوز الأزمة.
مصر.. العمود الفقري لإيصال المساعدات واحتواء الأزمة
بفضل موقعها الجغرافي، لعبت مصر دورًا مركزيًا في تسهيل إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة عبر معبر رفح، الذي أصبح شريان الحياة الرئيسي للمدنيين في القطاع.
ففي إطار التنسيق مع الدول العربية والمنظمات الدولية، سهلت القاهرة دخول آلاف الأطنان من المساعدات الغذائية والطبية، خاصة من المغرب والإمارات، مما ساهم في تخفيف معاناة السكان.
لكن الدور المصري لم يقتصر على الجانب اللوجستي، بل لعبت القاهرة دورًا دبلوماسيًا محوريًا في التوصل إلى اتفاقات وقف إطلاق النار، حيث كانت الوسيط الرئيسي بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل، مما ساهم في تهدئة الأوضاع وتجنب المزيد من الخسائر البشرية.
كما أطلقت مصر بالتعاون مع الإمارات حملة “من الإمارات عبر مصر إلى أهلنا في غزة”، التي تضمنت تجهيز شحنات ضخمة من المواد الغذائية والطبية لدعم الفلسطينيين، وهو نموذج عملي آخر للتعاون العربي الفاعل.
بين الفعل الإنساني والاستغلال السياسي
في وقت تركزت فيه جهود المغرب والإمارات ومصر على تقديم الدعم الفعلي لغزة، استغلت بعض التيارات السياسية هذه الأزمة لتحقيق مكاسب دعائية، بدلًا من تقديم حلول عملية لمساعدة المدنيين.
وبينما كانت الدول الفاعلة تبحث عن سبل لإيصال المساعدات، انشغلت بعض الجهات بإثارة الفوضى والتحريض على العنف، في محاولة لاستغلال معاناة الفلسطينيين لتحقيق أهداف سياسية قصيرة المدى.
والحقيقة أن الشعب الفلسطيني اليوم يحتاج إلى دعم ملموس يخفف من معاناته، وليس إلى خطابات وشعارات لم تقدم سوى المزيد من الأزمات.
دعم حقيقي ومسؤولية مستمرة
أثبتت دول المغرب والإمارات ومصر أن الدعم الحقيقي لغزة لا يكون بالمتاجرة بمعاناة الفلسطينيين، بل عبر تقديم مساعدات مباشرة وتسهيل الحلول السياسية والدبلوماسية.
وفي ظل استمرار الأزمة، يظل الرهان الحقيقي هو تعزيز الجهود الإنسانية والإغاثية، بعيدًا عن أي استغلال سياسي، لضمان حصول الفلسطينيين على الدعم الذي يحتاجونه في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخهم.